قواة قمعیة نظام الملالي فی ایران-
بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم يعد الخوف من الشارع الإيراني هاجسا عابرا لدى النظام الايراني؛ يبدو أنه تحول إلى سياسة أمنية متكاملة. فبدلا من أن يواجه النظام أزماته المتراكمة بالحلول السياسية والاقتصادية، يواجهها بما يجيده أكثر: الحرس، والباسيج، والشرطة، والدوريات، والاعتقالات، ومضاعفة أدوات القمع.
وفي 25 سبتمبر، نشر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تقريرا تحدث فيه عن وضع الجيش والحرس والباسيج وقوى الأمن الداخلي في حالة تأهب بنسبة 100%، وإلغاء الإجازات حتى منتصف ليل 27 سبتمبر، مع احتمال تمديد حالة الاستنفار. كما تحدث التقرير عن نشر 51 ألف عنصر أمني وعسكري في طهران الكبرى، بينهم 30 ألفا من الحرس والباسيج و21 ألفا من قوى الأمن الداخلي. وهذه الأرقام تظل، وفق ما أمكن التحقق منه، منسوبة إلى التقرير نفسه.
لكن حتى بعيدا عن هذه الأرقام، فإن المشهد الإيراني الراهن يقدم ما يكفي لفهم اتجاه الأحداث. ففي الأسابيع الأخيرة، لم يتردد النظام في إظهار قواته في الشوارع، كما حدث في التعبئة والاستعراض الذي نظمته السلطات في طهران في 18 سبتمبر، بمشاركة قوات ومتطوعين جرى إعدادهم ضمن حملة “جان فدايان إيران”. وقدمت السلطات تلك التعبئة باعتبارها دليلا على الجاهزية والوحدة، بينما أشارت تقارير صحفية إلى أن القوة الجديدة ستعمل كطبقة إضافية لدعم منظومة الأمن التابعة للحرس والباسيج.
وفي المقابل، يكشف الداخل عن صورة مختلفة تماما عن صورة القوة التي يحاول النظام تسويقها.
ارتفاع الأسعار، أزمة الوقود، تراجع القدرة الشرائية والضغوط المعيشية، كلها عوامل تجعل الشارع أكثر حساسية تجاه أي صدمة جديدة. وعندما ارتفعت أسعار الوقود في سبتمبر، ظهرت قوات الشرطة والوحدات الخاصة والباسيج في عدد من المدن ومحطات الوقود، في مشهد يعيد إلى الذاكرة العلاقة المباشرة بين القرارات الاقتصادية والاحتجاجات في إيران.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: نظام يتحدث عن “القوة” و”الصمود” و”المواجهة”، لكنه في الداخل يتصرف كما لو أن شرارة احتجاج واحدة يمكن أن تضع منظومته الأمنية بأكملها أمام اختبار جديد.
والأكثر إثارة في التقرير الحديث هو الحديث عن توسيع القوات، وتعزيز العناصر المتنكرين بالزي المدني، وإدخال معدات جديدة لمكافحة الشغب، وتقديم الحوافز المالية لقوات الأمن والحرس والاستخبارات لدفعها إلى ساحات الاحتجاج. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تعني أن النظام لا يستعد لمواجهة عسكرية خارجية فحسب؛ إنه يستعد، قبل كل شيء، لاحتمال انفجار داخلي.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الجدران الأمنية يمكن أن تؤخر الاحتجاج، لكنها لا تلغي أسبابه. ويمكن للدوريات أن تنتشر في الشوارع، ويمكن فحص الهواتف واعتقال المحتجين، ويمكن إلغاء الإجازات واستدعاء القوات، لكن لا يمكن اعتقال الغضب الشعبي نفسه.
وهذه هي المعضلة التي تبدو أكثر وضوحا اليوم: كلما احتاج النظام إلى مزيد من القوات لحماية نفسه من شعبه، ازدادت الأسئلة حول مقدار ما تبقى من شرعيته الاجتماعية. فالقوة الأمنية قد تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تجعل الصمت رضا.
إن النظام الذي يضع جيشه وحرسه وباسيجه وقوات أمنه في حالة استنفار خوفا من الاحتجاج، يبعث من حيث لا يريد برسالة شديدة الوضوح: إن الخطر الذي يقلقه لم يعد يأتي من الحدود وحدها، بل من الداخل أيضا.
وعندما يصبح الشارع هو مصدر القلق الأكبر، فإن المعركة الحقيقية لا تعود مع خصم خارجي، بل مع أزمة ثقة متراكمة بين السلطة والمجتمع.
لهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: كم ألفا يستطيع النظام أن يحشد في شوارع طهران؟ بل: إلى متى يستطيع أن يحكم مجتمعا لا يثق به بمنطق الاستنفار والقمع وحده؟
فالمشكلة بالنسبة إلى الملالي ليست أن الشعب قد يخرج إلى الشارع؛ المشكلة الأعمق أن كل إجراءاتهم الأمنية توحي بأنهم يعرفون أن احتمال خروجه لا يمكن تجاهله.








