مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل

مريم رجوي

اجتماع إيران حرة 2023: إلى الأمام نحو جمهورية ديمقراطية

المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

ماتثير الإعجاب بشأن مجاهدي خلق

أحدث الاخبارحين يطارد النظام الإيراني معارضيه في الفضاء الرقمي

حين يطارد النظام الإيراني معارضيه في الفضاء الرقمي

موقع المجلس:
لا يخشى النظام الإيراني ويحذر من أي تهديد وخطر يحدق به كما يخشى التهديد الداخلي، ولا سيما حين يأتي من الشارع الإيراني نفسه. ولذلك ظل احتواء الاحتجاجات الشعبية، وإجهاض قدرتها على التحول إلى قوة سياسية منظمة، في صدارة أولويات أجهزته الأمنية والاستخباراتية. غير أن طبيعة هذا التهديد أخذت تتغير بصورة واضحة منذ انتفاضة 28 ديسمبر/كانون الأول 2017، حين بدأ الحراك الشعبي يكتسب، إلى جانب زخمه الجماهيري، مضمونا سياسيا أكثر وضوحا، وصولًا إلى انتفاضة يناير/كانون الثاني 2026 التي كشفت، وفق المعطيات التي يعكسها المشهد الإيراني، عن انتقال الاحتجاج من مجرد رد فعل على الأوضاع المعيشية إلى مواجهة أعمق مع بنية الحكم.
ولم يعد هاجس النظام مقتصرا على تجمعات الشوارع أو الإضرابات والاحتجاجات. فمع تطور وسائل الاتصال، وانتقال جانب مهم من النشاط المعارض إلى الفضاء الإلكتروني، اتسعت معركة النظام لتشمل الهواتف الشخصية والبريد الإلكتروني وتطبيقات المراسلة وشبكات التواصل الاجتماعي. وأصبح اختراق الأجهزة وجمع المعلومات عن المعارضين والصحفيين والناشطين جزءا من منظومة أوسع لمراقبة الخصوم ومنع تشكل شبكات قادرة على التواصل والتنسيق.
وفي هذا السياق، جاء التحذير الأمني المشترك الذي أصدرته الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا في 15 سبتمبر/أيلول 2026، ليكشف جانبا من هذه الحرب الرقمية. فقد أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني أن جهات مرتبطة بالنظام الإيراني استخدمت عائلة من برمجيات التجسس المعروفة باسم CHOSEN BRICK لاستهداف معارضين وناشطين وصحفيين، من خلال حملات تصيد إلكتروني موجهة عبر تطبيقات المراسلة، بينها واتساب وتلغرام.
واللافت في هذه العمليات ليس استخدام البرمجيات الخبيثة بحد ذاته، وإنما طبيعة الأساليب المستخدمة للوصول إلى الضحايا. فبحسب التحذير المشترك، كان المهاجمون ينتحلون في كثير من الأحيان صفات أشخاص يحظون بثقة المستهدفين، ويكيفون أساليب التواصل وفق شخصية كل هدف. وفي بعض الحالات، استخدمت وثائق مزيفة، من بينها نتائج مفبركة لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي، لإقناع الضحايا بتنزيل البرمجيات على أجهزتهم.
وتكشف قدرات هذه البرمجية عن خطورة ما تسعى إليه هذه العمليات؛ إذ يمكنها جمع بيانات جهات الاتصال ورسائل البريد الإلكتروني وحسابات التواصل الاجتماعي، فضلا عن التقاط صور لمحتوى شاشات الأجهزة والوصول إلى الميكروفونات. والأخطر أن المعلومات المسروقة من بعض الضحايا نشرت لاحقا على مواقع إلكترونية موالية للنظام، بما يحول عملية الاختراق من مجرد جمع معلومات استخباراتية إلى أداة للتشهير والترهيب والضغط.
ووفق التحذير الأمريكي البريطاني الهولندي، فإن الأجهزة الأمنية المعنية خلصت بدرجة عالية جدا من الثقة إلى أن العمليات الإلكترونية المرتبطة بإيران تستخدم للمساعدة في قمع أفراد تعتبرهم السلطات تهديدا لها. كما أشار مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي إلى أن التحذير يمثل تحديثا لتحذير سابق صدر في مارس/آذار، بشأن محاولات وزارة الاستخبارات الإيرانية جمع معلومات عن أهداف محددة، ثم نشرها على الإنترنت بواسطة جهة قرصنة تعرف باسم “هاندالا هاك”.
وهنا تتضح صورة أوسع: فالنظام الذي يراقب الشارع، ويلاحق الناشطين، ويضغط على عائلات المحتجين، يحاول كذلك السيطرة على المساحة التي يتواصل فيها هؤلاء ويتبادلون المعلومات. إنه انتقال من الأمن التقليدي إلى الأمن الرقمي، ومن مراقبة الجسد في الشارع إلى مراقبة الهاتف الذي يحمله المواطن في يده.
وليس من المصادفة أن يأتي هذا التحذير بعد يوم واحد فقط من إعلان وكالة “فارس” المقربة من الحرس عن إطلاق منصة تحمل اسم “علاج”، قالت إن هدفها هو تحديد هوية من وصفتهم بـ”الخونة المقيمين خارج البلاد وملاحقتهم”. فبغض النظر عن طبيعة هذه المنصة وآليات عملها، فإن تزامن الخطابين الأمني والرقمي يعكس اتساع اهتمام مؤسسات النظام بملاحقة معارضيه خارج الحدود، إلى جانب السيطرة على النشاط المعارض في الداخل.
إن اللجوء المتزايد إلى أدوات التجسس الإلكتروني لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تطور تقني في وسائل القمع، بل بوصفه مؤشرا على طبيعة المخاوف التي تواجهها السلطة. فحين تصبح الاتصالات الخاصة، وهواتف الصحفيين والناشطين، وعلاقاتهم الاجتماعية، موضع استهداف، فإن ذلك يعني أن معركة النظام لم تعد مع تجمع جماهيري محدد، وإنما مع شبكة من العلاقات والاتصالات التي يمكن أن تتحول إلى قدرة جماعية على التنظيم والتعبئة.
ومن هنا يمكن فهم إصرار السلطات الإيرانية على توسيع أدوات المراقبة؛ فالمشكلة بالنسبة إليها ليست الاحتجاج باعتباره لحظة عابرة، وإنما احتمال تحوله إلى حراك مستمر يمتلك الخبرة والقدرة على التواصل والتنسيق. وهذا ما يجعل الفضاء الإلكتروني امتدادا طبيعيا للمعركة السياسية في الشارع.
لقد أثبتت التجارب منذ انتفاضة 2017 ثم 2022 أن القمع وحده لا يلغي أسباب الاحتجاج. ومع انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر تعقيدا، يبدو أن النظام يحاول استباق أي حراك جديد عبر الوصول إلى الناشط قبل نزوله إلى الشارع، ومعرفة علاقاته قبل أن تتحول إلى شبكة، ومراقبة اتصالاته قبل أن تتحول إلى تنظيم.
وهكذا، فإن حرب الهواتف والبيانات والاتصالات ليست منفصلة عن حرب الشوارع؛ إنها وجه آخر للصراع ذاته. وكلما اتسعت أدوات المراقبة الرقمية، ازدادت أهمية حماية الخصوصية والأمن الرقمي للصحفيين والناشطين والمعارضين.
وبينما يراهن النظام على التكنولوجيا لتعزيز قدرته على السيطرة، يبقى السؤال الأهم متعلقا بجوهر الأزمة: هل تستطيع أدوات التجسس والمراقبة أن تمنع مجتمعا تتراكم داخله أسباب الاحتجاج من إعادة إنتاج موجات جديدة من المعارضة؟
إن تجربة السنوات الماضية تشير إلى أن التكنولوجيا قد تساعد السلطة في اكتشاف بعض الأفراد وعرقلة بعض التحركات، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى الاحتجاج. ولذلك فإن انتقال القمع الإيراني من الشارع إلى الهاتف لا يعني انتهاء المواجهة، بل يكشف عن انتقالها إلى مستوى جديد؛ مستوى أصبحت فيه المعلومة نفسها ساحة للصراع، وأصبح الهاتف الشخصي أحد ميادين المعركة بين السلطة ومعارضيها.