جريدة الأمة الإلكترونية-عبد الرزاق الزرزور:
قراءة في تحولات الجهاز القضائي لدى وأبعادها الإقليمية
تشهد جمهورية الملالي في إيران تحولاً جوهرياً في استراتيجيات إدارة الصراع الداخلي؛ حيث انتقل النظام من مرحلة “الاحتواء الأمني” للاحتجاجات إلى مرحلة “الردع القضائي الإبادي”.
إن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي في نهاية أبريل 2026 لا تعكس مجرد تصلب في المواقف السياسية فحسب بل تؤشر على تغيير في العقيدة الأمنية للنظام تهدف إلى تصفية الجيل الاحتجاجي عبر غطاء قانوني مشدد.
عقيدة إيجئي.. مأسسة “القضاء الاستثنائي”
يمثل صعود غلام حسين محسني إيجئي إلى قمة الهرم القضائي ذروة تغلغل الهياكل الاستخباراتية في الجسد القانوني الإيراني..
فمن خلال دعوته الأخيرة لتسريع وتيرة المحاكمات داخل السجون وتقليص فترات التحقيق يسعى النظام إلى تجاوز التعقيدات الإجرائية التقليدية لصالح “العدالة السريعة” ذات الصبغة الانتقامية..
هذا التوجه يهدف إلى تحويل السلطة القضائية من جهة للفصل في الخصومات إلى أداة تصفية سياسية تعمل بآلية “المقصلة”
حيث يتم تجريد المعارضين من “إنسانيتهم” بوصفهم جنود مشاة للعدو مما يمهد الطريق قانونياً وأيديولوجياً لشرعنة إبادتهم الجسدية.
المحاربة والنوايا.. تفكيك المنطق القانوني للإعدامات
تتجلى خطورة المرحلة الحالية في توسيع نطاق الاتهامات الفضفاضة مثل المحاربة والعمل ضد الأمن القومي لتشمل “النوايا المزعومة” بدلاً من الأفعال الجرمية المادية،
ويبرز إعدام الشاب ساسان آزادور بطل الكاراتيه في أصفهان كنموذج صارخ لهذه السياسة؛ حيث استند الحكم إلى تهمة نية مواجهة النظام.
إن هذا الانتقال إلى محاسبة “النوايا” يعكس رغبة النظام في إحداث صدمة ترهيب جماعي تستهدف الفئات العمرية الشابة
لاسيما وأن غالبية الضحايا الجدد مثل أمير حسين حاتمي يقعون ضمن الفئة العمرية دون الخامسة والعشرين، وهي الكتلة الحرة الثائرة التي قادت الانتفاضات الأخيرة.
الأرقام كأداة للتحليل الاستراتيجي
تثبت لغة الأرقام تصاعد المنحنى البياني للعنف الحكومي؛ إذ تشير التقارير إلى تنفيذ حكم الإعدام بحق 24 سجيناً سياسياً خلال شهرين فقط مع اعتراف رسمي بـ 21 حالة تزامنت مع التوترات العسكرية الإقليمية الأخيرة..
هذا التزامن يوضح أن النظام يستخدم الحالة الأمنية الإقليمية كستار لتنفيذ أجندة تطهير داخلي مستغلاً انشغال العالم بالصراعات الكبرى لتسريع وتيرة المشانق وتصفية الحسابات مع “بقايا” الحركات المدنية المعارضة.
القضاء وتاريخ التطهير من خلخالي إلى إيجئي
يرى المحللون أن ممارسات القضاء الحالي تعيد إنتاج “عصر صادق خلخالي” في بدايات تأسيس النظام حيث كانت المحاكمات الصورية والنتائج الجاهزة مسبقاً هي السمة الغالبة.،
غير أن الفرق الجوهري اليوم يكمن في وجود نظام قضائي أكثر مأسسة وتعقيداً يستخدم منصات التواصل الاجتماعي واللغة السياسية الحديثة لتبرير الانتقام السياسي،
وإن مطالبة إيجئي بعدم تدخل المجتمع الدولي في السياسات العقابية لطهران تعكس رغبة في تكريس “سيادة القمع” كشأن داخلي غير قابل للنقاش.
تداعيات الحصانة والمعادلة الدولية المفقودة
في ظل هذا المشهد تبرز إشكالية العجز الدولي في مواجهة آلة الإعدام لدى نظام الملالي في إيران؛
فالاكتفاء ببيانات الإدانة الرمزية دون اتخاذ تدابير محاسبة ملموسة يُفسر داخل دوائر صنع القرار في طهران كـ موافقة ضمنية أو “ضوء أخضر” للاستمرار.
إن غياب الضغط الفعلي والملزم يمنح النظام حصانة مطلقة لمواصلة سياسته الرامية إلى إنهاء جيل كامل من المطالبين بالتغيير مما يؤسس لمرحلة من الاستقرار المبني على الرعب وليس على الإجماع الوطني.
ختاما..
إن ما يحدث في أروقة القضاء الإيراني اليوم يتجاوز حدود “تطبيق القانون” ليصبح استراتيجية وجودية تهدف إلى حماية بنية النظام عبر الاستئصال الجسدي للمعارضة،
ومع استمرار غياب التوازن في الرد الدولي تظل المشانق هي اللغة الوحيدة التي يخاطب بها النظام جيله الصاعد
مما يضع مستقبل الاستقرار الاجتماعي في إيران على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة نتيجة انسداد أفق التعبير السلمي.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








