طابور المرکبات للحصول علی کمیة من البنزین-
الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
يبدو أن النظام الإيراني يحاول، بكل ما يملك من وسائل، إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، والحفاظ على معادلة “اللاحرب واللاسلم” أطول فترة ممكنة. فالسلام، في الظروف الراهنة، لم يعد بالضرورة فرصة لطهران، بل ربما أصبح خطرا عليها.
ذلك أن استتباب السلام يعني عودة الأسئلة التي طالما حاول النظام تأجيلها بالحرب والتوتر والأزمات: ماذا بعد؟ كيف سيواجه أزماته الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف سيبرر استمرار سياساته الإقليمية والعسكرية؟ وكيف سيمنع المجتمع الإيراني، الذي تحمل سنوات طويلة من القمع والفقر والعزلة، من استثمار أجواء الهدوء للمطالبة بالتغيير؟
لهذا تبدو حالة التوتر بالنسبة إلى طهران أكثر من مجرد خيار في السياسة الخارجية؛ إنها وسيلة لإدارة أزمات الداخل وتأجيل الاستحقاقات السياسية.
لكن المشكلة أن المعادلة التي أتقن النظام استخدامها لعقود لم تعد تعمل كما في السابق.
فطهران اعتادت أن تلعب على حافة الهاوية: تصعد ثم تتراجع، تهدد ثم تفاوض، ترفع سقف مطالبها ثم تبحث عن مخرج، وتستخدم أذرعها الإقليمية وأوراقها الأمنية لخلق مساحات إضافية للمساومة. غير أن هذه المساحات تضيق اليوم بصورة واضحة.
فكل تصعيد جديد يحمل معه كلفة أكبر، وكل تهديد يفتح بابا أمام رد أقسى، وكل محاولة للمناورة تكشف مزيدا من نقاط الضعف. ولم تعد طهران قادرة بسهولة على التحكم بإيقاع الأزمة كما كانت تفعل في السابق، خصوصا بعدما أصبحت أوراقها الإقليمية والاقتصادية والعسكرية تحت ضغط متزايد.
وهنا تكمن المفارقة: النظام يحتاج إلى التوتر كي يبقى، لكنه لم يعد قادراً على التحكم الكامل في نتائج التوتر.
فالسلام قد يحرج النظام، لكن الحرب قد تستنزفه. والتهدئة قد تفتح الباب أمام انفجار المطالب الداخلية، بينما استمرار التصعيد قد يفاقم أزمته الاقتصادية والعسكرية. وبين الخيارين تتحرك القيادة الإيرانية في مساحة شديدة الضيق.
إنها أشبه بمن يحاول عبور حقل ألغام: التوقف ليس آمنا، والتقدم محفوف بالمخاطر، والعودة قد تكون أكثر خطورة.
ولذلك فإن طهران تحاول شراء الوقت، لا صناعة حل. تراهن على أن يؤدي استمرار التوتر إلى إنهاك خصومها أو حدوث تغير في الظروف الدولية، فتستعيد بعض هامش المناورة الذي فقدته. لكن المشكلة أن الزمن هذه المرة لا يعمل بالضرورة لصالحها.
فكل يوم إضافي من الأزمة يعني مزيدا من الاستنزاف، وكل تأجيل للتسوية يعني تراكم المشكلات، وكل محاولة للهرب إلى الخارج تعيد إنتاج الأزمة في الداخل.
والأهم أن معادلة “اللاحرب واللاسلم” التي كانت تمنح النظام فرصة للمناورة بدأت تتحول إلى منطقة عازلة بين خيارين كلاهما مكلف.
لقد نجحت طهران طويلا في تحويل الأزمات إلى أدوات للبقاء. لكن التحدي هذه المرة أن الأزمة نفسها بدأت تتحول إلى عامل يضيق عليها الخيارات.
ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: متى تنتهي الحرب؟
بل: كم من الوقت يستطيع النظام أن يبقى عالقا بين الحرب والسلام، من دون أن تنفجر التناقضات التي يحاول تأجيلها؟
فحين تضيق مساحة المناورة، لا يعود اللعب على حافة الهاوية مهارة سياسية؛ قد يتحول ببساطة إلى سقوط فيها.








