الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
ایلاف – موسى أفشار:
هل تستطيع السلطة منع الانفجار الداخلي إذا طال أمد الأزمة الراهنة؟
يكشف استعراض القوة في طهران عن قلق متزايد من تراكم الأزمات الداخلية واحتمال تحول السخط الشعبي إلى تحدٍ مباشر لقدرة السلطة على الحفاظ على استقرارها.
يحاول مجتبى خامنئي، ومنظومة الحكم في طهران، تقديم صورة توحي بأن السلطة تقف على أرض صلبة وتمتلك من القوة ما يكفي لمواجهة التحديات. فخطاب النظام، وإعادة ترتيب بعض المواقع العسكرية والأمنية، والتشديد على مفردات “الصمود” و”الوحدة”، كلها تصب في اتجاه واحد: إقناع الداخل والخارج بأن طهران ما زالت تمسك بزمام المبادرة. غير أن المبالغة في استعراض القوة قد تكون مؤشرًا على القلق أكثر من كونها تعبيرًا عن الثقة.
فالمشهد الإيراني الراهن لا يوحي بنظام مطمئن إلى مستقبله، بقدر ما يعكس محاولة لشراء الوقت وإدارة الأزمات المتراكمة بأقل قدر من الخسائر. وحتى الظهور العلني المحدود لمجتبى خامنئي، وما رافقه من رسائل إعلامية تؤكد حضوره وممارسته لمهامه، يعكس حجم الحساسية المحيطة بصورة القيادة الجديدة، خصوصًا بعد التساؤلات التي أثيرت حول وضعه ودوره الفعلي في إدارة البلاد.
إن مجتبى خامنئي لا يواجه مجرد تحديات خارجية يمكن احتواؤها عبر التصعيد أو إعادة ترتيب القيادات العسكرية، بل يواجه تركة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية، ومجتمعًا بات أكثر جرأة في رفض سياسات النظام. ولعل أخطر ما تخشاه القيادة الجديدة ليس الحرب الخارجية الشاملة، بل أن تتحول أجواء التوتر الإقليمي إلى عامل يفجر الاحتقان الداخلي المتراكم.
ومن هذا المنطلق، تبدو سياسة “لا حرب ولا سلام” الأكثر ملاءمة لمصلحة النظام في هذه المرحلة. فالحرب الشاملة تحمل مخاطر لا يستطيع ضمان نتائجها، بينما السلام الحقيقي قد يفرض على طهران أثمانًا سياسية باهظة ويضعها في مواجهة مباشرة مع استحقاقات الداخل. أما إبقاء الأوضاع في منطقة رمادية، بين التهديد والتفاوض، فيمنح النظام فرصة ثمينة لشراء الوقت. وهو ما يفسر استمرار مناورات التلويح بالعسكرة بالتوازي مع ترك أبواب التفاوض مواربة مع واشنطن.
لكن الوقت الذي يشتريه النظام في الخارج قد يتحول إلى خصم له في الداخل. فالمشكلة الإيرانية لم تعد تقتصر على الملف النووي أو العقوبات، بل أصبحت مشكلة حوكمة وأزمات معيشية عاصفة. وقد أظهرت تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، عقب لقائه مجتبى خامنئي، أن قضايا المعيشة والأسواق والتوظيف أصبحت جزءًا ضاغطًا في أعلى هرم السلطة.
وهنا تبرز أهمية المقاومة المنظمة و”وحدات المقاومة” باعتبارها عاملًا حاسمًا في قراءة المشهد. فالمرتكز لا يتعلق فقط ببروز الاحتجاجات العفوية، بل بوجود بيئة شعبية احتقانية مترافقة مع قوة منظمة قادرة على تحويل السخط إلى مسار سياسي متواصل ومنظم. ولهذا تحديدًا يخشى النظام التقاء ثلاثة عوامل: السخط الشعبي، ضعف السلطة، ووجود التأطير الميداني المنظم.
إن الإفراط في عسكرة المشهد وإعادة توزيع المناصب في الحرس الثوري لن يعيد بناء الثقة المفقودة في الداخل. بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية عبر تذكير الإيرانيين بأن النظام لا يملك سوى الأدوات الأمنية لحماية بقائه. ومن هنا، فإن ما يبدو ظاهريًا استراتيجية قوة، هو في جوهره استراتيجية بقاء.
يريد مجتبى خامنئي إثبات أنه قائد قادر على إدارة مرحلة بالغة التعقيد، لكن صورته تواجه الاختبار الأصعب: هل تستطيع السلطة منع الانفجار الداخلي إذا طال أمد الأزمة؟ فالأنظمة التي تعتمد على تأجيل أزماتها لا تلغيها بل تراكمها. وإذا تزامن هذا التراكم مع انقسامات الجبهة الداخلية أو ضعف مراكز القرار، فإن المعادلة قد تتغير بسرعة.
قد يفرض النظام الصمت المؤقت ويظهر بمظهر المتماسك، لكنه لا يستطيع فرض نسيان الأزمات على الشارع. ومجتبى خامنئي قد يملك أدوات السلطة، لكنه لم يحسم بعد معركة الاستقرار. والنظام قد يكون قادرًا على تأجيل الانفجار، لكنه عاجز عن إلغاء أسبابه، مما يضع السلطة أمام السؤال الأشد خطورة: ماذا يحدث عندما يتحول الداخل الإيراني نفسه إلى ساحة المعركة الرئيسية؟
هذا المقال يحتوي على 509 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة








