الأخطر على أي نظام استبدادي ليس بالضرورة سقوط صاروخ على منشأة عسكرية، وإنما سقوط فكرة الاستمرار من داخل عقول رجاله.
میدل ایست اونلاین- نزار جاف:
النظام الايرانيهل تضعف الحرب النظام الايراني وتمنعه من اعادة انتاج نفسه؟
ثمة قراءة تتردد هذه الأيام في أوساط سياسية وإعلامية عدة، مفادها أن الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام نظام إيراني عصي على الإخضاع، وأن الحرب بدأت تتحول إلى نسخة جديدة من فيتنام، حيث تدخل القوة العسكرية الأعظم في العالم حرب استنزاف طويلة، ثم تجد نفسها، عاجلا أم آجلا، مضطرة إلى البحث عن مخرج، غير أن هذه القراءة، على الرغم من أنها تستند الى صعوبة المشهد العسكري، تبدو أقرب إلى قراءة سطحية إذا ما نظرنا إلى الصورة الأوسع.
فالولايات المتحدة لا تواجه إيران في ظروف تشبه فيتنام، كما أن النظام الإيراني نفسه ليس في الموقع الذي كان فيه الخصم الفيتنامي، إذ أن طهران تدخل هذه المواجهة وهي مثقلة بأزمات اقتصادية وسياسية وأيديولوجية وشرعية متراكمة، فضلا عن شبكة نفوذ إقليمية تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى ضربات وهزات متلاحقة، فيما تتسع الفجوة بين خطاب النظام وممارساته إلى حد بات معه السؤال الأكثر إحراجا ليس ماذا يريد النظام أن يغير في العالم، وإنما ماذا يفعل لكي يبقى هو نفسه في السلطة.
وهنا تكمن إحدى نقاط ضعفه الكبرى، حيث أن الجمهورية الإسلامية التي قامت على مشروع عقائدي وقدمت نفسها طويلا باعتبارها صاحبة رسالة تتجاوز حدود إيران، تجد نفسها اليوم في تحالفات استراتيجية مع قوى لا تشاركها مرجعيتها، من روسيا والصين الى كوريا الشمالية، بما يكشف تحولا عميقا من نظام يدعي امتلاك مشروع تاريخي الى سلطة أصبحت غريزة بقائها هي مشروعها الأول والأخير.
ومن هذه الزاوية، قد يكون اختزال الاستراتيجية الأميركية في فكرة “إسقاط النظام عسكريا” خطأ في فهم طبيعة المعركة، لأن واشنطن، إذا كانت تريد تغييرا حقيقيا، ليست مضطرة بالضرورة الى إسقاط النظام بضربة واحدة، وإنما تستطيع أن تعمل على تفكيك عناصر قوته تدريجيا، واستنزاف موارده، وإرباك أجهزته الأمنية، وإضعاف أذرعه الإقليمية، وتجفيف قنوات تمويله ودعمه الخارجي، ثم تترك للعامل الداخلي مهمة إكمال ما لا تستطيع القوة الخارجية إنجازه.
فالضربة العسكرية قد تكون أداة، والعقوبات أداة أخرى، والضغط الاقتصادي والسياسي أداة ثالثة، وإضعاف شبكة الحلفاء والأذرع أداة رابعة، لكن اجتماع هذه الأدوات في اتجاه واحد قد يشكل استراتيجية أكبر من الحرب نفسها، عنوانها جعل استمرار النظام بالشكل الذي عرفناه منذ عام 1979 أكثر كلفة، وأكثر صعوبة، وأقل قدرة على إعادة إنتاج نفسه.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي قراءة كل خطوة أميركية بمعزل عن الأخرى، خصوصا أن النظام الإيراني لم يبن قوته من الداخل وحده، بل أقام خلال عقود شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية، واستند إلى موسكو وبكين وبيونغ يانغ، فضلا عن أذرعه الإقليمية، ولذلك فإن قطع الطريق على النظام لا يعني بالضرورة مهاجمته وحده، بل قد يعني أيضا سحب البساط من تحت الجهات التي تساعده على البقاء.
لكن مهما قدمت هذه القوى من دعم، فإنها لا تستطيع معالجة الجرح الإيراني الأعمق: علاقة النظام بشعبه.
قد يمتلك النظام الصواريخ، وقد يستطيع الرد، وقد يهدد المصالح الأميركية، وقد يحاول إطالة الحرب الى أقصى مدى ممكن، لكنه لا يستطيع بالصواريخ أن يعيد إنتاج الشرعية، ولا بالقوة العسكرية أن يستعيد القناعة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية في بداياتها، لأن قوة الدولة العسكرية شيء، وقدرة النظام السياسية على إقناع المجتمع باستمرار حكمه شيء آخر تماما.
وهنا يصبح الزمن سلاحا ذا حدين، إذ أن طول الحرب قد يمنح النظام فرصة للمقاومة، لكنه في الوقت نفسه قد يستنزف موارده ويعمق أزماته ويكشف هشاشته الداخلية، ولذلك فإن السؤال ليس دائما من يستطيع إطلاق النار لفترة أطول، وإنما من يستطيع تحمل نتائج الاستنزاف لفترة أطول.
والأخطر على أي نظام استبدادي ليس بالضرورة سقوط صاروخ على منشأة عسكرية، وإنما سقوط فكرة الاستمرار من داخل عقول رجاله، فعندما يبدأ رجل الأمن بالتفكير في مستقبله، والمسؤول في مستقبله، ورجل الأعمال في أمواله، والموظف في راتبه، والمواطن في مستقبل أولاده، تبدأ منظومة الخوف نفسها بفقدان فعاليتها، وعندها لا تعود القضية حربا بين دولتين، بل تتحول الى أزمة نظام.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع واشنطن هزيمة إيران عسكريا؟ وإنما: هل تستطيع جعل استمرار النظام الإيراني بالشكل الحالي أمرا غير قابل للاستدامة؟
الإجابة لا تزال مفتوحة، لأن الولايات المتحدة نفسها تدفع ثمنا للحرب، وقد تضطر الى التفاوض أو القبول بتسويات مرحلية، لكن التفاوض لا يعني دائما التراجع، كما أن المعضلة العسكرية لا تعني العجز عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية.
أما تشبيه إيران بفيتنام، فهو يتجاهل الفارق الأهم: أن النظام الإيراني لا يواجه عدوا خارجيا فقط، وإنما يواجه في الوقت نفسه أزمة متنامية في الداخل، ومجتمعا قطعت قطاعات واسعة منه صلتها بالشعارات التي تأسس عليها النظام.
ولهذا ربما لا تكون واشنطن في سباق لإسقاط الملالي بضربة واحدة، بل أمام خطة أكثر تعقيدا تقوم على إضعاف النظام، وتفكيك شبكاته، واستنزاف قدرته على البقاء، ثم انتظار اللحظة التي يصبح فيها التغيير الداخلي ممكنا.
وعندها لن يكون السؤال: كم بقي للنظام من صاروخ؟ بل: كم بقي له من نظام؟
فقد يصمد الجيش، وقد يصمد الحرس، وقد تصمد الأجهزة الأمنية، لكن السؤال الذي سيحسم المعركة في النهاية هو سؤال آخر أكثر خطورة: هل تصمد الفكرة؟
فإذا لم يبق من المشروع الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية سوى السلطة، فإن المعركة الحقيقية لن تكون بين واشنطن وطهران، بل بين نظام يحاول شراء المزيد من الوقت، وتاريخ بدأ يطالبه، للمرة الأولى، بتقديم الحساب.








