من الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
قضاء الاستبداد في حالة استنفار
موقع المجلس:
لم تكن اللهجة الحادة التي استخدمها رئيس السلطة القضائية في نظام الملالي، غلام حسين محسني إيجئي، مجرد تكرار لخطاب القمع والتهديد المعتاد، بل عكست حالة من القلق العميق داخل أعلى مستويات السلطة إزاء احتمال اتساع الاحتجاجات الشعبية.
فإن تخصيص اجتماع المجلس الأعلى للقضاء للتحذير من تحركات وصفها النظام بأنها «تهديدات أمنية»، إلى جانب إعلان حالة جاهزية قصوى للأجهزة المعنية، يكشف أن السلطة تنظر بجدية إلى احتمال تجدد الغضب الشعبي. وبدلاً من معالجة الأزمات الاقتصادية والمعيشية والسياسية المتراكمة، يتجه النظام مرة أخرى إلى استخدام أدوات الأمن والقضاء في محاولة لاحتواء الشارع.
وتحولت تصريحات إيجئي، بهذا المعنى، إلى مؤشر على حجم المخاوف داخل السلطة من مستقبل الأوضاع، وعلى إدراكها أن استمرار الأزمات قد يدفع الاحتقان الاجتماعي إلى مرحلة أكثر اتساعاً.
إيران: تصدّع النواة الصلبة للسلطة وصراع أجنحة ولاية الفقيه
يدخل نظام ولاية الفقيه مرحلة شديدة التعقيد، تتزامن فيها الأزمات السياسية والاقتصادية مع تصاعد الخلافات داخل مراكز السلطة. فالصراع على النفوذ وصنع القرار يتفاقم في الوقت الذي تواجه فيه القيادة صعوبة متزايدة في الحفاظ على صورة التماسك الداخلي.
وتكشف التصريحات المتكررة لمسؤولي النظام حول ضرورة الوحدة وتجنب الانقسام عن حجم المخاوف من انتقال الخلافات داخل القمة إلى المجتمع، خصوصاً في ظل اتساع حالة الاستياء الشعبي.
استنفار استباقي.. القضاء في مقدمة أدوات القمع
أظهرت تصريحات محسني إيجئي أن الأجهزة القضائية والأمنية والاستخباراتية والشرطية ترفع مستوى جاهزيتها لمواجهة أي تحرك احتجاجي محتمل. كما تعهد بأن تتعامل السلطة القضائية بحزم أكبر مع من تعتبرهم تهديداً لأمن النظام.
وتعكس هذه اللهجة اعتقاداً داخل أوساط الحكم بأن الظروف الاجتماعية والاقتصادية قد تشكل أرضية لموجة جديدة من الاحتجاجات. لكن بدلاً من البحث عن حلول للأزمات البنيوية، يواصل النظام التعامل مع الاحتجاجات والمطالب الشعبية من منظور أمني، ويضع المعارضين والمحتجين في إطار «المؤامرة» و«التهديد».
ويشير هذا النهج إلى اعتماد متزايد على الاعتقالات والأحكام القضائية والإعدامات كوسائل للسيطرة على المجتمع، بدلاً من معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج.
تصدّع الجبهة الداخلية ووهم التماسك
سعى إيجئي في تصريحاته إلى التأكيد على وجود انسجام بين مؤسسات الحكم، وعلى أن أجهزة الدولة تتبنى رؤية موحدة تجاه القضايا الأمنية والاقتصادية.
غير أن الإفراط في الحديث عن الوحدة قد يحمل دلالة معاكسة؛ إذ إن تكرار التحذيرات من الانقسام والخلاف يكشف في حد ذاته عن حساسية القيادة تجاه الصراعات الداخلية.
كما أن استدعاء توجيهات مجتبى خامنئي بشأن ضرورة الحفاظ على تماسك النظام يوضح أن قضية الانقسام باتت مصدر قلق حقيقياً داخل قمة السلطة. ومع تراجع الموارد وتفاقم الأزمات، تتنافس أجنحة النظام على النفوذ والمصالح ومراكز القوة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحفاظ على جبهة داخلية متماسكة.
ويبدو أن الخوف لا يتعلق فقط بالخلافات في القمة، بل باحتمال انتقال آثارها إلى القاعدة الاجتماعية للنظام وتحولها إلى عامل إضافي في إشعال الاحتجاجات.
فوبيا الفضاء الرقمي وانهيار احتكار الرواية
احتل الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي موقعاً بارزاً في تحذيرات إيجئي، في ظل اعتراضه على ما وصفه بالمواد والتقارير المفبركة.
ويكشف ذلك عن مواجهة متزايدة بين النظام وفضاء إعلامي لم يعد خاضعاً لسيطرته الكاملة. فقد أصبحت شبكات التواصل وسيلة أساسية لتبادل المعلومات وتوثيق الأحداث ونقل صور الاحتجاجات والأزمات إلى الداخل والخارج.
كما ساهم انتشار المنصات الرقمية في إضعاف احتكار الإعلام الرسمي للرواية، وأتاح للشباب والمواطنين نقل شهاداتهم ومواقفهم بصورة مباشرة، وهو ما يمثل تحدياً مستمراً لأجهزة الدعاية والأمن.
ولهذا أصبحت السيطرة على الفضاء الرقمي جزءاً من معركة النظام للحفاظ على روايته الرسمية، في وقت تتسع فيه قدرة المجتمع على كشف التناقضات بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي والسياسي.
فشل مجتبى خامنئي في احتواء صراع الأجنحة وتصاعد مخاوف الانتفاضة
يتزامن الاستنفار القضائي والأمني مع تصاعد الخلافات داخل هرم السلطة وتفاقم الأزمات الاقتصادية. ومع تجاوز سعر الدولار حاجز 210 آلاف تومان، واستمرار الاضطرابات المرتبطة بإمدادات الوقود والدواء، تزداد الضغوط على النظام.
كما تتواصل احتجاجات فئات مختلفة من المجتمع، بما في ذلك المتقاعدون والكوادر الطبية، احتجاجاً على الغلاء وتدهور الظروف المعيشية.
وفي هذا السياق، فإن إعلان حالة الاستنفار من جانب السلطة القضائية يمكن قراءته بوصفه إجراءً احترازياً لمواجهة احتمال انتقال الاحتجاجات المتفرقة إلى تحرك أوسع، خصوصاً مع تزامن الغضب الاجتماعي مع الصراع المتصاعد بين أجنحة الحكم.
إفلاس العصا الأمنية أمام غليان «جيش الجياع»
يكشف خطاب إيجئي عن محدودية الخيارات المتاحة أمام النظام. فكلما تصاعدت الأزمات، يعود إلى التهديد بالقوة وتشديد الإجراءات الأمنية، في محاولة لردع أي تحرك شعبي.
لكن القمع لا يعالج جذور الأزمة. فالفقر والبطالة وتراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار وتدهور مستويات المعيشة عوامل لا يمكن حلها بالاعتقالات أو الأحكام القضائية.
وقد أدى تراكم هذه المشكلات إلى خلق حالة واسعة من السخط الاجتماعي، بحيث أصبح الاحتقان الاقتصادي أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى السلطة.
ومن هنا، فإن تهديدات رئيس السلطة القضائية لا تعكس بالضرورة ثقة النظام بقدرته على السيطرة، بل تكشف حجم المخاوف التي تنتابه من احتمال تحول الأزمات المتراكمة إلى موجة احتجاج أكثر اتساعاً.
تهديدات القضاء.. مؤشر خوف لا دليل قوة
إن تصريحات محسني إيجئي، في سياقها العام، تقدم صورة عن نظام يستعد أمنياً لمواجهة احتمال تصاعد الاحتجاجات، بينما تستمر الانقسامات الداخلية والأزمات الاقتصادية في الضغط عليه من جهات متعددة.
فمحاولة احتواء هذه الأزمات عبر تشديد القمع قد تؤدي إلى تأجيل الانفجار، لكنها لا تزيل أسبابه. وكلما اتسعت الفجوة بين واقع المجتمع وخيارات السلطة، ازدادت صعوبة معالجة الاحتقان بالوسائل الأمنية وحدها.
وفي النهاية، تكشف حالة الاستنفار القضائي والأمني عن حجم المخاوف داخل النظام من مستقبل الشارع الإيراني، وعن إدراكه أن استمرار الفقر والغلاء والأزمات السياسية، بالتوازي مع تصاعد الصراعات داخل السلطة، قد يخلق ظروفاً أكثر ملاءمة لاحتجاجات واسعة.
وبحسب الخطاب المعارض للنظام، فإن تلاقي الغضب الشعبي مع قوى المعارضة وشبكات المقاومة يمكن أن يشكل تحدياً أكبر لسلطة ولاية الفقيه، ويحوّل الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة إلى حركة سياسية أوسع تطالب بتغيير جذري في بنية الحكم.








