الحوار المتمدن- سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم يعد ملف نزع سلاح الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق مجرد قضية داخلية تتعلق بتنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لسيادة الدولة العراقية، وفي الوقت نفسه إلى معركة ذات أبعاد إقليمية تمس مباشرة نفوذ نظام الملالي في المنطقة.
ومع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تتزايد الضغوط السياسية والأمنية، في وقت تبذل فيه طهران جهودا واضحة للحيلولة دون الوصول إلى نتيجة حاسمة. فهذه الميليشيات لم تكن بالنسبة إلى النظام الإيراني مجرد جماعات مسلحة عراقية، وإنما شكلت طوال سنوات إحدى أهم أدوات نفوذه ووسيلة لتوسيع حضوره الإقليمي وفرض معادلات تتجاوز حدود الدولة العراقية.
ولهذا السبب تحديدا، تنظر طهران إلى عملية حصر السلاح بيد الدولة باعتبارها أكثر من إجراء أمني عراقي؛ إنها تهديد مباشر لإحدى ركائز مشروعها الإقليمي.
لقد اعتمد نظام الملالي على شبكة من الفصائل المسلحة في المنطقة بوصفها أدوات للضغط والمناورة وتهديد الخصوم، فضلا عن استخدامها كقوة متقدمة في ساحات الصراع. وفي العراق تحديدا، تمكنت هذه الفصائل من ترسيخ نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي جعلها جزءا مؤثرا في معادلة الحكم، الأمر الذي أتاح لطهران امتلاك نفوذ يتجاوز بكثير نفوذها الدبلوماسي التقليدي.
ومن هنا يمكن فهم الدور الإيراني في محاولة عرقلة عملية نزع السلاح. فطهران تدرك أن فقدان هذه الميليشيات لفاعليتها لن يعني فقدان مجموعة من الفصائل المسلحة فحسب، بل سيعني تراجع قدرتها على التأثير في القرار العراقي واستخدام العراق كساحة للضغط والمساومة في أزماتها الإقليمية.
والأخطر بالنسبة إليها أن نجاح العراق في حصر السلاح بيد الدولة قد يتحول إلى نموذج يمكن أن يمتد إلى ساحات أخرى ترتبط بالمشروع الإيراني. ولذلك فإن المعركة بالنسبة إلى الملالي ليست على السلاح وحده، وإنما على مستقبل نفوذهم الإقليمي بأكمله.
إن السؤال الحقيقي اليوم هو: من يمتلك قرار الحرب والسلم في العراق؟ الدولة ومؤسساتها الدستورية، أم قوى مسلحة تستطيع أن تتحرك خارج إطارها؟
إن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة يعني استمرار ازدواجية القرار، بينما نجاح بغداد في إنهاء هذه الازدواجية سيشكل خطوة أساسية نحو استعادة السيادة العراقية.
ولهذا من المتوقع أن تستخدم طهران مختلف وسائل الضغط لتأجيل أو إفراغ عملية نزع السلاح من مضمونها، سواء عبر التأثير السياسي أو تحريك حلفائها أو إثارة المخاوف من الفوضى والصدام الداخلي. فكل تأجيل يمنحها وقتا إضافيا لإعادة ترتيب أوراقها والحفاظ على نفوذها.
لكن القضية تتجاوز العراق أيضا. ففقدان الملالي لفاعلية الميليشيات يعني تقلص قدرتهم على نقل أزماتهم إلى خارج الحدود، ويجعل النظام أكثر اعتمادا على أدواته المباشرة في مواجهة أزماته الداخلية والخارجية.
ولهذا يمكن القول إن نزع سلاح الميليشيات المرتبطة بإيران يمثل بالنسبة إلى نظام الملالي تهديدا استراتيجيا ذا طابع وجودي لنفوذه. فالنظام الذي بنى جزءا كبيرا من قوته على تصدير نفوذه وأزماته إلى الخارج سيجد نفسه أمام واقع مختلف إذا بدأت ساحاته الخارجية تغلق أمامه.
إن معركة نزع السلاح، في جوهرها، ليست معركة على البنادق والصواريخ فقط؛ إنها معركة على سيادة الدولة العراقية، واستقلال قرارها، ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.
وإذا نجحت بغداد في فرض سلطة الدولة، فإنها لن تكون قد نزعت سلاح الميليشيات فحسب، بل ستكون قد نزعت من يد نظام الملالي إحدى أهم أوراق قوته الإقليمية. وعندها سيبرز السؤال الأصعب أمام طهران: ماذا يبقى من قدرتها على فرض نفوذها عندما تفقد الأذرع التي طالما استخدمتها خارج حدودها؟








