موقع المجلس:
يواجه نظام الولي الفقيه أزمة متفاقمة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية الخانقة مع تصاعد الغضب الشعبي والاحتجاجات، في وقت يراهن فيه على استمرار التوتر الخارجي واستخدامه غطاءً لتشديد قبضته في الداخل، بينما يهدد تراجع عائدات النفط وانهيار العملة وقدرة المواطنين الشرائية بإضعاف مصادر تمويل مؤسسات النظام وأجهزته القمعية.
مع دخول المواجهة بين طهران والقوى الدولية شهرها الخامس، يتضح جلياً أن الصراع قد انتقل من مربع الضربات العسكرية المتبادلة إلى معركة كسر إرادة اقتصادية وسياسية؛ حيث يسعى نظام الولي الفقيه إلى تحويل حالة التوتر الخارجي وتهديد الملاحة إلى أداة لابتزاز العالم وضمان بقائه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع داخلية مريرة؛ إذ يبدو أن الحصار الاقتصادي المطبق وشلل الصادرات النفطية يشكلان تهديداً وجودياً لبنية النظام يفوق بمراحل أثر القصف الجوي، خصوصاً في ظل احتدام الأزمات المعيشية وتصاعد نشاطات الانتفاضة الشعبية في مختلف المدن الإيرانية.
يسعى نظام الولي الفقيه من خلال تصعيد التوتر في مضيق هرمز وتهديد خطوط الملاحة الدولية إلى فرض معادلة تقوم على تخيير المجتمع الدولي بين الاستقرار الاقتصادي أو المواجهة الشاملة. وفي هذا السياق، يأتي قرار مجتبى خامنئي بتعيين ستة من كبار قادة حرس النظام الإيراني ممثلين له، ليعكس محاولة حثيثة لتثبيت هيكلية السلطة وإعادة ترتيب الأوراق الداخلية، ليس بهدف التهدئة، بل للاستعداد لمواجهة طويلة الأمد يُراد منها افتعال حالة من الأزمة الدائمة وتعتمد هذه الحسابات على فرضية مفادها أن الاستمرار في حالة الاستنفار الخارجي يوفر غطاءً سياسياً وأمنياً يتيح للنظام تشديد قبضته القمعية في الداخل.
يكمن جوهر الحسابات في طهران في مفارقة ملفتة؛ إذ رغم التكلفة الباهظة للحروب، فإن البقاء في حالة تصعيد خارجي يخدم سلطة الولي الفقيه عبر حرف الأنظار عن الأزمات الداخلية المستعرة. فبمجرد تراجع حدة التوتر الخارجي، تعود أضواء الغضب الشعبي لتسلط على التدهور المعيشي، وانهيار القوة الشرائية، والفساد الهيكلي، والقمع السياسي. من هنا، يرى النظام في افتعال الأزمات درعاً حامياً يسمح له بتوظيف شماعة الأمن القومي للبطش بالداخل، خاصة مع تصاعد نشاطات مراكز المقاومة وشبكات الانتفاضة الشعبية التي تضم العمال والمتقاعدين والطلاب والمزارعين والطبقات الوسطى المتضررة، والتي لم تعد تنطلي عليها ادعاءات السلطة.
ورغم أن الآلة القمعية تُراهن على امتصاص الضربات العسكرية الخارجية باعتبارها أضراراً مادية يمكن ترميمها، إلا أن الحصار الاقتصادي وتقييد صادرات النفط يضربان عصب النظام الحيوي ومصدر تمويله الأساسي. وتؤكد البيانات المالية أن التضخم الشهري سجل مستويات قياسية مرعبة بلغت 73.5 في المئة، بالتوازي مع تضخم سنوي ناهز 53.7 في المئة، مما أدى إلى تهاوي العملة المحلية وتجاوز سعر الدولار حاجز 181 ألف تومان. وقد انعكس هذا التدهور على لقمة عيش المواطنين، حيث ارتفعت أسعار المواد الأساسية كالسكر والبيض بشكل جنوني، ولجأت العائلات إلى بيع ممتلكاتها الشخصية والاعتماد على رهونات الدعم الحكومي المستقبلي لشراء قوت اليوم، في مؤشر صارخ على وصول الاقتصاد إلى حالة الصفر.
وخلافاً لما يروجه إعلام طهران بالقيام بإلقاء اللوم كلياً على العقوبات الدولية، فإن الجذور الحقيقية للأزمة تكمن في الفساد الهيكلي وسوء إدارة الموارد الوطنية. تمتلك إيران ثروات هائلة من النفط والغاز، لكن نظام الولي الفقيه اختار بملء إرادته توجيه هذه الأموال نحو تمويل البرامج الصاروخية، والمشاريع النووية، والميليشيات الإقليمية، وتغذية شبكات حرس النظام الإيراني، بدلاً من تنمية الاقتصاد وحماية مستوى معيشة الشعب. وتعد الحقبة التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015 خير دليل على ذلك؛ إذ رغم الإفراج عن مليارات الدولارات المحتجزة، لم يلمس المواطن الإيراني أي تحسن معيشي، بل ذُهبت تلك الأموال لتعزيز أجهزة القمع والتمدد الإقليمي، مما أشعل موجات متتالية من الانتفاضات الشعبية العارمة.
إن الرهان على القمع الأمني لحل المعادلة الاقتصادية يمثل خطأً استراتيجياً؛ فالأجهزة الأمنية قد تفرّق تظاهرة أو تعتقل ناشطاً، لكنها عاجزة تماماً عن إيقاف انهيار العملة أو خفض أسعار المواد الغذائية. ومع استنزاف الموارد المالية وفقدان النظام لقدرته على تمويل أجهزته وأذرعه، تتحول أدوات القمع ذاتها إلى مؤشر على عجز السلطة. إن اجتماع الانكماش الاقتصادي، والحصار البحري، والغليان الشعبي المتصاعد يضع نظام الولي الفقيه أمام مأزق تاريخي لا يمكن للترسانة العسكرية أن تنقذه منه، لتصبح المواجهة الحقيقية مرتهنة بقدرة النظام المالية على دفع تكاليف بقائه قبل انفجار الشارع الشامل.
يواجه نظام الولي الفقيه حقيقة معقدة مفادها أن الحصار الاقتصادي وتجفيف منابع عوائد النفط يمثلان الخطر الأكبر على استقراره، وليس الضربات العسكرية الفردية؛ إذ إن عجز السلطة عن تمويل مؤسساتها وأجهزتها القمعية، بالتوازي مع التردي المعيشي وغضب الشارع المتصاعد، يحوّل استراتيجية الأزمة الدائمة إلى فخ يسرّع من انهيار هيكل الاستبداد من الداخل.








