الاحتجاجات الشعبیة في ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
في الوقت الذي يواصل فيه قادة نظام الملالي النفخ في أبواق الحرب والتصعيد، ويتمسكون بالنهج ذاته الذي حكم سياساتهم طوال سبعة وأربعين عاما، تتكشف في الداخل الإيراني صورة مختلفة تماما. فبدلا من الالتفاف الشعبي حول السلطة، شهد الأسبوع الأخير من يوليو/تموز 2026 موجة جديدة ومتصاعدة من الاحتجاجات المنسقة في كبرى المدن والمحافظات الإيرانية، شارك فيها آلاف المتقاعدين والعمال والمتضررين من السياسات الاقتصادية، فضلا عن المطالبين بالسكن، احتجاجا على التضخم الجامح، والفساد المستشري، ونهب ثروات البلاد، مؤكدين أن سياسة المغامرات الخارجية دفعت الشعب إلى الفقر وأفرغت موائد الإيرانيين.
وتؤكد هذه الاحتجاجات أن الآلة الإعلامية للنظام لم تعد قادرة على تضليل الرأي العام أو صرف أنظار الإيرانيين عن أزماتهم اليومية عبر شعارات المواجهة الخارجية. فقد امتدت رقعة الاحتجاجات لتشمل طهران، وأصفهان، وسنندج، وكرمانشاه، وبيجار، وتبريز، وأراك، وشوش، والأهواز، ويزد، في تحرك متزامن يعكس اتساع رقعة السخط الشعبي وتآكل الثقة بقدرة السلطة على إدارة البلاد أو احتواء أزماتها.
ويعيش ملايين العمال والكادحين أوضاعا معيشية غير مسبوقة في قسوتها، نتيجة الانهيار المتواصل في قيمة العملة الوطنية، والارتفاع الحاد في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية بصورة دراماتيكية. وتشير المعطيات إلى أن التضخم تجاوز حاجز 100% في بعض المحافظات الصناعية والنفطية، فيما ارتفع خط الفقر في المدن الكبرى إلى نحو 70 مليون تومان شهريا. ومع تأخر صرف الأجور لأشهر عدة، واستمرار القمع ضد المطالب النقابية، وعجز حكومة مسعود بزشكيان عن تقديم أي حلول ملموسة، تتزايد التحذيرات من أن الطبقة العاملة باتت تقترب من نقطة الانفجار.
وتزداد الأزمة تعقيدا مع اقتراب سعر صرف الدولار في السوق الحرة من حاجز 200 ألف تومان، الأمر الذي أدى إلى موجة جديدة من الارتفاعات القياسية في أسعار الغذاء والسكن والعلاج والمواصلات، بينما بقيت الأجور جامدة لا تواكب هذا الانهيار. وحتى الأرقام الرسمية الصادرة عن النظام تكشف حجم الكارثة؛ إذ سجلت محافظة هرمزغان تضخما بلغ 101%، وخوزستان 99%، وبوشهر 96.5%، وهي محافظات تمثل قلب النشاط الصناعي والنفطي الإيراني.
ولم يقتصر الأمر على تآكل الأجور، بل تفاقمت معاناة العمال بعدما عاد المئات منهم إلى مصانعهم إثر توقفات جزئية ليكتشفوا أنهم حرموا من رواتب الأشهر الماضية، كما فقدوا في الوقت ذاته إعانات البطالة بمجرد استئناف العمل، ليجدوا أنفسهم بلا رواتب ولا تعويضات، في مشهد يعكس عمق الاختلال في إدارة الملفين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي موازاة ذلك، تتفاقم أزمة الطاقة لتضيف بعدا جديدا للأزمة الاقتصادية. فقد أدت الانقطاعات المتكررة للكهرباء في المنشآت الصناعية إلى خسائر ضخمة ارتفعت من 303 تريليونات تومان عام 2024 إلى نحو 473 تريليون تومان خلال 2025-2026، وسط تحذيرات من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى إغلاق آلاف المصانع وتسريح أعداد كبيرة من العمال خلال النصف الثاني من العام.
وفي المقابل، تبدو حكومة مسعود بزشكيان عاجزة عن تقديم أي رؤية اقتصادية أو برنامج إنقاذ حقيقي، إذ اقتصرت إجراءاتها على وعود إعلامية وتدابير شكلية لم تمس جوهر الأزمة، في حين بقيت حقوق العمال وحماية الإنتاج الوطني خارج دائرة الاهتمام الفعلي.
إن ما تشهده إيران اليوم يؤكد أن الأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت أزمة حكم وبنية سياسية. فالانهيار المعيشي ليس نتيجة شح الموارد، بل ثمرة مباشرة لسياسات وضعت تمويل الأجهزة الأمنية والمشروعات العسكرية والتدخلات الإقليمية فوق احتياجات المواطنين. ومع التقاء التضخم الجامح، وانهيار القدرة الشرائية، وأزمة الأجور، وشلل قطاع الطاقة، تتجه البلاد نحو مرحلة أكثر حساسية، حيث تتسع الهوة بين المجتمع والسلطة، وتتراجع قدرة النظام على احتواء الغضب الشعبي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: هل ستستمر الاحتجاجات؟ بل إلى أي مدى يستطيع النظام مواصلة إدارة أزماته بالوسائل الأمنية، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتقان الاجتماعي وتتآكل ركائز الاستقرار الاقتصادي؟ فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن إيران مقبلة على مرحلة ستكون فيها التطورات الداخلية هي العامل الأكثر تأثيرا في رسم مستقبل البلاد، أكثر من أي تصعيد خارجي أو شعارات سياسية يرفعها النظام.








