موقع المجلس:
انطلق في أوج تنفيذ الإعدامات داخل السجون؛ حیث يبدأ حراك التقاضي لشهداء مجزرة صیف عام 1988 بعد انقضاء عقود على الجريمة، انطلق
ليتحول على مدى أربعة عقود إلى واحدة من أطول وأعتى الحملات الحقوقية الدولية لملاحقة جرائم الدولة الممنهجة، وتعرية ثقافة الإفلات من العقاب التي يعتمد عليها النظام الإيراني لتثبيت أركان سلطته.
عادة ما يستذكر التاريخ الفظائع والجرائم الكبرى بعد انتهاء سفك الدماء؛ حيث تُحصى أعداد الضحايا، وتُفتح الأرشيفات، ويبدأ العالم بالتساؤل عما حدث. لكن مجزرة عام 1988 بحق المعتقلين السياسيين في إيران سلكت مساراً مختلفاً تماماً؛ فبينما كان آلاف السجناء يُساقون أمام لجان الموت ويُعدمون في غضون دقائق، كانت حملة كشف الجريمة وتدويلها قد بدأت بالفعل وقبل أن تُغيب الجثامين في المقابر الجماعية السرية.
صرخة التحذير الأولى في أوج عمليات الإعدام
لم ينتظر حراك التقاضي حتى تصبح المجزرة شأناً علنياً، بل بدأ في خضم التصفية ذاتها. ففي سبتمبر/أيلول 1988، وبينما كانت المشانق تنصب يومياً داخل السجون في كافة أرجاء البلاد، بعث مسعود رجوي، قائد المقاومة الإيرانية، ببرقية عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، خافيير بيريز دي كويلار، حذر فيها من أن خميني أصدر فتوى شخصية صادمة لإعدام الممرضين والطلاب والعمال وكافة المعتقلين السياسيين المتمسكين بمواقفهم.
وتضمنت البرقية تفاصيل دقيقة عن الاعتقالات الجماعية، والإعدامات الميدانية دون محاكمات، واختفاء السجناء الذين انتهت مدة أحكامهم، ونقل مئات الجثامين من سجن إيفين إلى مقبرة بهشت زهراء في طهران خلال أيام قليلة. وكانت هذه البرقية بمثابة إنذار مبكر وموثق أبلغ المجتمع الدولي بوقوع جريمة ضد الإنسانية في وقتها الفعلي.
أكثر من 300 شخصية دولية: على المجتمع الدولي التحرّك لمنع تكرار مجزرة عام 1988 في إيران
حذر أكثر من 300 خبير ومحامٍ دولي ومسؤول سابق من خطر تكرار مجزرة عام 1988 التي راح ضحيتها أكثر من 30 ألف سجين سياسي معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وطالب البيان المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف موجة الإعدامات المتصاعدة، مشيراً إلى تقارير المقرر الخاص للأمم المتحدة التي صنفت تلك التصفيات خارج نطاق القضاء كجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية يستوجب محاسبة ارتكابها في ظل النظام الإيراني.
استراتيجية النظام الإيراني: طمسُ الشهود والأدلة
لم يكن توقيت المجزرة عفوياً؛ فبعد أسابيع قليلة من قبول وقف إطلاق النار في الحرب الإيرانية العراقية، واجه النظام الإيراني أزمة مشروعية واستقرار داخلي، ورأى في السجناء السياسيين المنتمين إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تهديداً وجودياً لسلطته.
ولتحقيق ذلك، أُنشئت لجان الموت التي طرحت أسئلة قاطعة على السجناء، وكان المصير المباشر لمن أصر على عقيدته السياسية هو السوق نحو المشانق. وآلاف ممن أُعدموا كانوا قد خضعوا لمحاكمات سابقة ويقضون أحكامهم السجنية، أو حتى ممن أنهوا فترات محكوميتهم. كما حاول النظام الإيراني محو التوثيق التاريخي عبر قطع زيارات العائلات، والامتناع عن تسليم الجثامين، ودفن الضحايا في مقابر جماعية سرية كـ خاوران.
تدويلُ الجريمة في عصر ما قبل وسائل التواصل
في الأشهر الأخيرة من عام 1988، نظمت المقاومة الإيرانية إضرابات عن الطعام في عواصم متعددة، وتظاهرات، وحملات ضغط برلمانية، ومحاكم شعبية رمزية للتعريف بالحقيقة. ورغم خطورة جمع المعلومات آنذاك، جرى إرسال قوائم تضم أسماء آلاف الضحايا إلى المنظمات الدولية، وثُبّتت أسماء أكثر من 1100 شهيد في وثائق رسمية قُدمت للأمم المتحدة كدفعة أولى، لتأكيد أن الأرقام الحقيقية للضحايا تصل إلى عشرات الآلاف.
وجرى كل ذلك في عصر ما قبل الإنترنت والتواصل الرقمي، مما أظهر كفاءة تنظيمية وإرادة استثنائية لمنع الجناة من محو التاريخ.
أدلةٌ عصيةٌ على الدفن ومحاكمٌ شعبية عبر العالم
تكمن قوة حراك التقاضي في الجهد الخارق المبذول لحفظ الأدلة؛ فعلى مدى العقود الماضية، وثق الناجون أوامر الإعدام، وحددوا هويات أعضاء لجان الموت، ورسموا خرائط المقابر الجماعية، وجمعوا شهادات المعتقلين السابقين.
وتكللت هذه الجهود بإقامة محاكم شعبية في لاهاي، وباريس، واستوكهولم، ولندن، وواشنطن، ولوس أنجلوس، ونورمبرغ، وتورونتو؛ حيث أدلى الناجون وعائلات الشهداء بشهاداتهم وفق إجراءات قانونية صارمة تُبقي على الصوت الحي للشاهد وتمنع طمس الحقيقة.
لماذا يظل حراك التقاضي حيوياً اليوم؟
إن أهمية حراك التقاضي تتجاوز حدود الجريمة التاريخية لعام 1988؛ إذ إن منظومة الإفلات من العقاب التي حمت جناة تلك المجزرة هي ذاتها التي مهدت الطريق لعقود من البطش المتواصل، وقمع الانتفاضات الشعبي، واستمرار نصب المشانق كأداة سياسية للترهيب. وبدون محاسبة الماضي، يسهل ارتكاب جرائم جديدة؛ ومن هنا يأتي التمسك بمبدأ: ‘تأجيل العدالة لا يعني إلغاءها’، وأن محاكمة المرتكبين شرطٌ أساسي لتفكيك ثقافة الإرهاب وبناء إيران الديمقراطية.








