اشتباکات داخل البرلمان الایراني-
میدل ایست اونلاین- د. مصطفى عبدالقاد MEO
النخبة الحاكمة في إيران لم تعد كتلة صلبة متجانسة كما في العقود السابقة، إن الضغوط الاقتصادية المتراكمة الناجمة عن العزلة الدولية والإنفاق العسكري الهائل، تخلق تصدعات بنيوية داخل مفاصل النظام.
تيار ‘الحرس’ ومركزية الأمن: التمسك بالقبضة
الصراع الصامت: من الأيديولوجيا إلى البقاء
لم تعد النخبة الحاكمة في إيران كتلة صلبة متجانسة كما كانت في العقود السابقة. إن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، الناجمة عن العزلة الدولية والإنفاق العسكري الهائل، خلقت تصدعات بنيوية داخل مفاصل النظام، حيث تبرز تباينات حادة حول كيفية إدارة “مرحلة ما بعد الاستقرار”. يتمحور الانقسام اليوم حول معضلة استراتيجية: هل الأولوية لبقاء المنظومة الأيديولوجية عبر التشدد، أم للنجاة من الانهيار الاقتصادي عبر الانفتاح التكتيكي؟
تيار “الحرس” ومركزية الأمن: التمسك بالقبضة
يمثل التيار المهيمن، الذي يرتكز على مؤسسة الحرس والموالين لنهج الولي الفقيه، رؤية ترى في الأزمة الاقتصادية “تحدياً أمنياً” وليس مشكلة هيكلية. بالنسبة لهذا الفصيل، فإن أي تراجع عن السياسات الخارجية أو التوسع الإقليمي هو تهديد وجودي يمس جوهر شرعية النظام. يجادل هذا التيار بأن التنازلات الاقتصادية -حتى لو كانت ضرورية لتخفيف العقوبات- ستفتح الباب أمام “اختراق سياسي” يهدد سيطرتهم على مفاصل الدولة. لذا، تظل استراتيجيتهم هي مزيد من المركزية، وتحويل الموارد الوطنية لخدمة الأجهزة الأمنية، معتبرين أن القدرة على القمع هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على استقرار السلطة.
التيار البراغماتي المتآكل: رهانات العودة
في المقابل، يبرز تيار — وإن كان صوته خافتاً ومقيداً — يدرك أن استنزاف الموارد بلغ نقطة اللاعودة. يرى هذا الفصيل، الذي يضم بقايا التكنوقراط والسياسيين الذين عاصروا فترات الانفتاح النسبي، أن التشبث بالسياسات الراهنة يقود البلاد نحو “السيناريو الفنزويلي” أو الانهيار الكامل. يدعو هؤلاء إلى إعادة ترتيب الأولويات، والتركيز على الإصلاحات الهيكلية، والانخراط في تسويات دولية لرفع الضغوط الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا التيار يفتقر إلى الأدوات التنفيذية، حيث يتم تحييد كل من يحاول طرح بدائل قد تلمح إلى ضعف النظام أو تراجع أهدافه الأيديولوجية.
صراع الموارد: المؤسسات الموازية والاقتصاد السياسي
تتفاقم التباينات بسبب التداخل العميق بين اقتصاد الدولة واقتصاد المؤسسات الموازية. إن احتكار الأصول الوطنية من قبل مؤسسات غير خاضعة للرقابة العامة يجعل من أي إصلاح اقتصادي حقيقي عملية “انتحارية” للنظام، لأنها تعني فقدان مراكز القوى لنفوذها المالي. هذا التضارب في المصالح أدى إلى شلل في اتخاذ القرار، حيث يتجاذب النظام بين حاجته للموارد للحد من الاحتقان الشعبي، وبين حماية الامتيازات المالية للنخبة الحاكمة التي تمول منظومته الأمنية.
سيناريوهات التفكك: هل يتسع الفتق على الراتق؟
إن التباين بين هذه الفصائل ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو تعبير عن أزمة ثقة داخلية عميقة. عندما تغيب الرؤية الوطنية الموحدة ويحل محلها الصراع على النفوذ، تصبح الدولة أكثر عرضة لـ الاهتزازات المفاجئة. إن الفصائل المتشددة، بمراهنتها على الحل الأمني، قد تجد نفسها في عزلة أكبر إذا ما استمرت مؤشرات الاقتصاد في التدهور، بينما التيار البراغماتي يدرك أن أي محاولة للإصلاح ستواجه بـ “فيتو” من الأجهزة الأمنية التي لا تملك استراتيجية بديلة غير “الصمود”.
الخلاصة: مأزق الاستمرارية
في التحليل الاستراتيجي، تُظهر هذه التباينات أن النظام الإيراني بات أسيراً لـ دائرة مفرغة؛ فالإصلاح يتطلب تنازلات أيديولوجية، والأيديولوجيا تتطلب استنزافاً اقتصادياً، والاستنزاف يفاقم الغضب الشعبي ويضعف التماسك الداخلي. إن الانقسام داخل أروقة السلطة ليس دليلاً على وجود تعددية، بل هو مؤشر على تآكل القدرة على التكيف. ومع غياب آليات التداول السلمي أو الحوار الوطني، تظل هذه التباينات هي القنبلة الموقوتة التي قد تعيد تشكيل المشهد الإيراني في لحظة لم يحسب لها أحد حساباً.








