بحزاني – منى سالم الجبوري:
لم تكن مراسم تشييع ودفن علي خامنئي مجرد مناسبة جنائزية، بل شكلت استعراضا سياسيا واسعا أراد النظام الإيراني من خلاله التأكيد أن غياب الرجل الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود لن يهز أركان نظام ولاية الفقيه. ولهذا، سخرت الدولة أجهزتها الأمنية والإعلامية والتنظيمية لإظهار أن انتقال السلطة تم بصورة مستقرة وأن مؤسسات الحكم ما زالت متماسكة.
لكن المشهد الذي أعقب التشييع كشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم مراسم ضخمة، وإنما في إدارة مرحلة ما بعد خامنئي. فقد سعى النظام إلى إقناع الداخل والخارج بأن ملف الخلافة قد حسم، إلا أن استمرار التساؤلات بشأن القيادة الجديدة، وتباين المواقف داخل دوائر الحكم، أوحيا بأن مرحلة الانتقال لا تزال محفوفة بكثير من الغموض.
وتزداد حساسية هذه المرحلة في ظل أزمات متراكمة تضغط على النظام من جميع الاتجاهات. فالاقتصاد يواجه أوضاعا متدهورة، والعقوبات الدولية مستمرة، والانقسامات داخل بنية السلطة باتت أكثر وضوحا، فيما تتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، الأمر الذي يجعل أي تعثر في إدارة المرحلة الانتقالية أكثر كلفة من أي وقت مضى.
وفي الوقت نفسه، شهدت الساحة الإيرانية تصاعدا في نشاط وحدات المقاومة داخل مختلف المدن، بما يعكس استمرار حالة الرفض الشعبي للنظام، ويقوض محاولاته تقديم صورة توحي بأن الأوضاع الداخلية مستقرة. وقد حمل هذا التصاعد رسالة مفادها أن انتهاء مراسم التشييع لا يعني انتهاء الأزمة، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من المواجهة السياسية داخل إيران.
وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن الخيارات التي اعتمد عليها النظام طوال العقود الماضية لم تعد قادرة على إخراجه من أزمته. فالحرب تزيد من عزلته وتفاقم أزماته الداخلية، كما أن سياسة المفاوضات لم تحقق سوى تأجيل الاستحقاقات من دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة.
ومن هذا المنطلق، تواصل رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، مريم رجوي، التأكيد على ما تسميه “الخيار الثالث”، القائم على رفض الحرب ورفض سياسة المساومة مع النظام، والدعوة إلى التغيير على يد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة، باعتباره السبيل الوحيد لإقامة دولة ديمقراطية تقوم على التعددية وفصل الدين عن الدولة.
إن ما بعد تشييع علي خامنئي لا يمثل نهاية أزمة الخلافة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدا. فالنظام يواجه اليوم اختبارا مصيريا في ظل أزمات داخلية خانقة وضغوط خارجية متزايدة، بينما تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتتزايد المؤشرات على أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة من أي مرحلة سابقة.








