صوت العراق – منى سالم الجبوري:
لم يعد الحديث عن سيادة العراق يقتصر على حماية حدوده أو إدارة شؤونه الداخلية، بل بات يرتبط قبل كل شيء بقدرة الدولة على احتكار السلاح وفرض سلطتها على كامل أراضيها. ومن هنا، فإن استمرار وجود الفصائل المسلحة خارج إطار القرار العسكري والسياسي للدولة يمثل التحدي الأخطر أمام بناء عراق مستقر يمتلك قراره الوطني المستقل.
لقد فرضت الظروف التي مر بها العراق بعد عام 2003 واقعا أمنيا استثنائيا أسهم في بروز العديد من الفصائل المسلحة، إلا أن استمرار هذا الواقع بعد زوال كثير من مبرراته الأمنية حول السلاح إلى عنصر مؤثر في الحياة السياسية، وأوجد مراكز قوة موازية لمؤسسات الدولة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على هيبة الحكومة وقدرتها على تنفيذ القانون دون استثناء.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما ترتبط بعض الفصائل بعلاقات وثيقة مع النظام الإيراني، الذي ينظر إلى العراق بوصفه إحدى أهم ساحات نفوذه الإقليمي. فمن خلال الدعم المالي والعسكري والسياسي الذي يقدمه لتلك الجماعات، استطاعت طهران أن تمتلك أدوات تأثير تتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، لتصبح قادرة على التأثير في مسارات الأمن والسياسة، بل وحتى في طبيعة العلاقات الخارجية للعراق.
ولعل ما شهدته المنطقة خلال الأشهر الأخيرة من تصاعد في المواجهة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني قد كشف حجم المأزق الذي يواجهه العراق. فكلما تصاعدت الأزمة بين الطرفين، تحولت الأراضي العراقية إلى ساحة محتملة لتبادل الرسائل والضغوط، الأمر الذي يضع الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على سيادتها وبين احتواء تداعيات الصراعات الإقليمية.
ولا يقتصر تأثير الفصائل المسلحة على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والتنمية. فوجود جماعات تمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين، ويضعف ثقة المجتمع الدولي بقدرة العراق على توفير بيئة مستقرة، كما يعرقل جهود الحكومة في تنفيذ مشاريع التنمية والإصلاح الاقتصادي.
أما سياسيا، فإن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يؤدي إلى اختلال مبدأ تكافؤ الفرص بين القوى السياسية، ويجعل بعض الأطراف تمتلك وسائل ضغط لا تتوافر لغيرها، الأمر الذي ينعكس سلبا على العملية الديمقراطية وعلى ثقة المواطن بجدوى الانتخابات والمؤسسات الدستورية.
إن النظام الإيراني يدرك أن نفوذه في العراق يرتبط إلى حد كبير ببقاء هذه الفصائل قوية ومؤثرة، ولذلك يصعب عليه التخلي عنها، لأنها تمثل إحدى أهم أدواته في إدارة نفوذه الإقليمي ومواجهة الضغوط الدولية. لكن هذا الواقع بات يواجه تحديات متزايدة في ظل تنامي الأصوات العراقية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، ورفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إن استعادة السيادة العراقية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال دولة تمتلك وحدها حق استخدام القوة، وتفرض القانون على الجميع دون استثناء، وتحرر القرار الوطني من أي ضغوط أو ولاءات خارجية. فالعراق لن يتمكن من استعادة مكانته الإقليمية والدولية ما دام السلاح خارج إطار الدولة، وما دامت بعض القوى المسلحة تضع مصالحها أو ارتباطاتها فوق المصلحة الوطنية. ولهذا، فإن حصر السلاح بيد الدولة لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح شرطا أساسيا لبناء عراق سيد، مستقل، وقادر على رسم مستقبله بإرادته الحرة.
مريم رجوي الرئيسة الجمهورية لإيران المستقبل








