الاحتجاجات العبیة فی ایران-
الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
الاوضاع الحالية في إيران والتي لا حاجة للتأکيد على تأزمها البالغ من کل النواحي، لکننا ومن باب الجدال والنقاش، لو وصفنا الاوضاع الحالية بقدح ماء تم شرب أکثره ولم يبق إلا القليل، فإنه يمکن وصفه بحالتي وجود الماء في القدح، من حيث وصفه بالجانب الاکبر من القدح الفارغ ممکن لأنه قد وصل بعد سلسلة النکسات والهزائم والتراجعات التي ألمت به الى ما يشبه الافلاس السياسي والعسکري والاجتماعي والفکري، كما من حيث وصفه بالجانب الآخر من القدح حيث يتواجد فيه القليل من الماء، فإن ذلك يدل على إنه في أيامه الاخيرة.
هذا هو حال النظام الکهنوتي الذي يحاول خداع العالم کله والإيحاء بأنه في کامل قواه وإنه سيحرق الاخضر واليابس لو تعرضوا له، لکن هذا الکلام السفسطائي المجانب للحقيقة والواقع لا ينطلي على مراکز البحوث والدراسات ولا على المراقبين والمحللين السياسيين المعنيين بالشأن الايراني، لأن الواقع أي واقع، يقاس دائما بلغة الارقام والادلة وليس بالکلام والمزاعم البراقة والطنانة کما فعل ويفعل نظام الملالي.
ولعل التقرير الاخير الذي نشرته وکالة رويترز والذي قدمت فيه وصفا تحليليا دقيقا للأوضاع في إيران على أثر عملية التشييع التي جرت للمرشد الاعلى السابق للنظام، تحت عنوان”معزو الولي الفقية يملأون شوارع إيران، لكن الاستياء لا يزال قائما”، حيث أفادت الوکالة بأن السلطات الحاكمة في إيران حاولت رسم صورة للوحدة والانسجام من خلال التعبئة الواسعة لقواتها الموالية في شوارع العاصمة طهران. ومع ذلك، أكد التقرير أن هذا الاستعراض المنظم لم يفلح في تبديد الشكوك والمخاوف المتعلقة بالشروخ الداخلية العميقة الناجمة عن الأزمة الاقتصادية الخانقة والقمع الحكومي المستمر.
وبهذا السياق فقد أشار تقرير الوكالة إلى أن هذه التجمعات والمواكب جرى تنظيمها وهندستها بدقة عبر توفير حزمة من التسهيلات والخدمات المجانية والمخفضة للمشاركين بهدف حشدهم:
ـ توفير وسائل النقل: أتيحت وسائل نقل رخيصة لتسهيل سحب ونقل الجماهير الموالية من مختلف المناطق إلى العاصمة.
ـ الإطعام والإقامة: جرى تقديم وجبات الطعام وتأمين أماكن الإقامة المجانية لكافة الوافدين لضمان بقائهم وتخييمهم في مواقع المراسم.
ورغم أن بعض المراقبين الموالين للنظام حاولوا تصوير هذا التجمع الحاشد كنوع من الاستفتاء العام على نظام الولي الفقية، إلا أن المحللين والخبراء، بل وحتى بعض كبار المسؤولين في داخل النظام نفسه، حذروا من الانخداع بالمشهد. وأكدوا أن التواجد الكثيف للجمع في طهران لا يعني بالضرورة وجود تأييد أو دعم شعبي حقيقي لاستمرار آليات الحكم. وأفاد التقرير أنه على الرغم من عدم صدور أي إحصائيات رسمية دقيقة حول أعداد المشاركين، إلا أن الصور الجوية الملتقطة أظهرت حضور مئات الآلاف من الأشخاص في الساحات.
وأوضحت الوكالة البريطانية أن المشهد الداخلي يغلي تحت السطح؛ إذ أدت أربعة أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى تشديد وتعميق الضغوط الاقتصادية القاسية على كاهل المواطنين الإيرانيين. وتجلت مظاهر هذا التدهور المعيشي الكارثي في عدة مؤشرات قادت إلى اتساع رقعة الغضب الشعبي:
ـ التضخم المتصاعد: تسجيل طفرات مستمرة وارتفاع حاد في معدلات التضخم.
ـ التضخم المتصاعد: تسجيل طفرات مستمرة وارتفاع حاد في معدلات التضخم.
ـ تراجع القدرة الشرائية: الانخفاض الحاد والجسيم في القدرة الشرائية للملايين من المواطنين، مما زاد من وتيرة السخط العام.
وأشار التقرير إلى أن هذا البؤس المعيشي هيأ الأرضية الخصبة لاندلاع احتجاجات عارمة وشاملة في كافة المحافظات. وبينت رويترز أن تلك الاحتجاجات بدأت تتجاوز تدريجيا سقف المطالب الاقتصادية والمعيشية المحدودة، لتتحول مباشرة إلى خواست واضح يطالب بإنهاء حركية وحكم النظام برمته. غير أن السلطات واجهت هذه الانتفاضات الشعبية بموجات قمع دموية واسعة النطاق، تضمنت تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المتظاهرين والمعتقلين لبث الرعب.
واختتمت الوكالة تقريرها بالتذكير بالدروس المستفادة من التاريخ القريب للنظام، لافتة إلى أن الوضع الراهن يحمل شبها كبيرا ومفارقة صارخة مع مراسم تشييع قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في عام 2020. ففي ذلك الوقت، نجح النظام في جذب جلب أعداد غفيرة وضخمة من الجماهير إلى الشوارع في استعراض قوة مماثل، ولكن بعد مرور عامين فقط على تلك الجنازة، شهدت إيران انفجارا لانتفاضة شعبية واحتجاجات عارمة هزت أركان حكم الولي الفقية، مما يبرهن على أن الحشود المنظمة حكوميا لا يمكنها التغطية على الأزمات البنيوية العميقة أو حماية النظام من غضب الشارع الحتمي.








