بحزاني – سعاد عزيز:
بعد أكثر من أربعة عقود من التجارب الفاشلة مع نظام ولاية الفقيه، لم يعد هناك ما يبرر استمرار الرهان على إمكانية تغيير سلوكه أو احتوائه عبر المفاوضات أو سياسة الاسترضاء. فقد أثبتت الوقائع، مرة تلو أخرى، أن هذا النظام لا ينظر إلى الحوار إلا بوصفه وسيلة لكسب الوقت، ولا يتعامل مع التنازلات الدولية إلا باعتبارها فرصة جديدة لتعزيز مشروعه التوسعي والمضي قدما في برامجه العسكرية والنووية.
لقد منح المجتمع الدولي النظام الإيراني فرصا لا تحصى لإثبات حسن النية، إلا أن النتيجة كانت دائما واحدة: مزيد من المراوغة، ومزيد من الخداع، ومزيد من زعزعة الأمن الإقليمي. فبينما كانت العواصم الغربية تراهن على الدبلوماسية، كان النظام يرسخ نفوذه عبر أذرعه المسلحة، ويغذي الصراعات، ويواصل تطوير قدراته النووية والصاروخية بعيدا عن أي التزام حقيقي.
ولعل أبرز ما تكشفه حصيلة أكثر من ثلاثة عقود من التفاوض هو أن المجتمع الدولي لم يحصد سوى الوعود المؤجلة والاتفاقات الهشة، في حين خرج النظام في كل مرة أكثر قدرة على فرض الأمر الواقع. فكل جولة تفاوض كانت تنتهي إلى جولة جديدة، وكل اتفاق مؤقت كان يتحول إلى محطة إضافية تمنح النظام وقتا ثمينا لإعادة ترتيب أوراقه، وكأن العالم يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
ولم يكن هذا النهج مرتبطا برئيس دون آخر، بل هو جزء من طبيعة النظام نفسه. فمنذ قيامه، اعتمد سياسة تصدير الأزمات، وإشعال بؤر التوتر، وقمع الداخل، وابتزاز الخارج بالملف النووي، باعتبارها أدوات أساسية لضمان بقائه. ولذلك فإن المشكلة ليست في أسلوب التفاوض معه، وإنما في طبيعة هذا النظام الذي جعل من الأزمات شرطا لاستمراره.
إن التجربة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن استقرار المنطقة لن يتحقق ما دام هذا النظام قائما بسياساته ونهجه. فكل هدنة معه مؤقتة، وكل اتفاق قابل للانهيار، وكل تنازل يقدم له يتحول إلى مصدر قوة إضافية يستخدمها ضد شعبه وضد جيرانه.
ومن هنا، فإن إسقاط نظام الملالي لم يعد شعارا سياسيا أو أمنية للمعارضة الإيرانية، بل أصبح ضرورة تفرضها حقائق السنوات الماضية. فالتغيير في إيران لم يعد مطلبا داخليا فحسب، وإنما بات مصلحة إقليمية ودولية، لأن إنهاء مصدر الأزمات هو السبيل الوحيد لطي صفحة طويلة من الحروب والتوترات والإرهاب، وفتح الطريق أمام شرق أوسط أكثر أمنا واستقرارا.








