وقفة لانصار جهاز الساواك الآلة القمعیة لنظام الشاة-
أمد للإعلام -د. سامي خاطر:
أمد/ مقدمة: إشكالية العنف السياسي في الفضاء الأوروبي
تشهد الساحة السياسية للمعارضة الإيرانية في الخارج تحولات جوهرية تعيد رسم خارطة التحالفات والقبول الدولي لأطرافها المختلفة. وفي توقيت بالغ الحساسية، باتت مسألة البديل السياسي للنظام القائم في طهران تخضع لتدقيق صارم من قبل أجهزة الأمن ومراكز الفكر الغربية، ليس فقط من زاوية الأطروحات النظرية، بل من خلال السلوك الميداني للقوى التي تصرح بسعيها نحو التحول الديمقراطي. في هذا السياق، جاء التقرير الاستقصائي الذي بثته شبكة التلفزيون الألمانية آر دي ليمثل نقطة تحول تحليلية؛ حيث نقل النقاش من الغرف السياسية المغلقة إلى رصد ظاهرة “العنف الممنهج” والانتهاكات الصارخة التي يمارسها أنصار رضا بهلوي، ابن شاه إيران المخلوع، ضد الناشطين والصحفيين المعارضين في أوروبا وكندا.
الترهيب السيبراني والإعلامي: استهداف حرية الصحافة
يكشف التقرير الألماني عن نمط متصاعد من الإرهاب الفكري والجسدي يستهدف إسكات الأصوات النقدية، وهو ما يتناقض بنيوياً مع الخطاب الليبرالي الذي تسوقه الأطراف البهلوية في العواصم الغربية. وثق التحقيق الاستقصائي حالة الصحفية البولندية بولين جيكيلز، العاملة في صحيفة تاتس الألمانية، التي تعرضت لهجوم شرس وحملة تهديدات إلكترونية عنيفة شملت آلاف الرسائل المتضمنة تهديدات بالاغتصاب والقتل، عقب توجيهها سؤالاً نقدياً لرضا بهلوي في مؤتمر صحفي ببرلين. هذا السلوك يوضح بدقة كيف تتحول أداة النقد الصحفي – وهي ركيزة الديمقراطية الغربية – إلى محفز لآليات قمعية جماعية تعتمد على الفضاء الرقمي كمنصة لترهيب الخصوم ونزع الشرعية عنهم.
قمع الداخل المعارض: تحجيم حركات المجتمع المدني
لم يتوقف هذا السلوك الإقصائي عند حدود الإعلام الأجنبي، بل امتد لضرب القوى المدنية الحية داخل المعارضة الإيرانية نفسها. ويمثل نموذج الناشطة الحقوقية البارزة أمين، المقربة من حركة المرأة، الحياة، الحرية، تجسيداً لأزمة غياب الأمان السياسي؛ حيث باتت لا تتحرك في ألمانيا إلا تحت حراسة مشددة من الشرطة لحمايتها من اعتداءات أنصار بهلوي. إن استهداف ناشطة تنتمي لحركة مدنية تطالب بالحقوق الأساسية، لمجرد انتقادها افتقار التيار البهلوي للشرعية الديمقراطية، يثبت أن الاستراتيجية المتبعة من هذا الفصيل ترتكز على مبدأ الإقصاء الشامل ورفض الشراكة السياسية مع التوجهات التعددية.
من التهديد اللفظي إلى التصفية الجسدية: ملاحقات هامبورغ واغتيالات كندا
تجاوزت هذه الممارسات حدود التهديد الافتراضي لتتحول إلى اعتداءات مادية مرصودة قضائياً وأمنياً في الغرب. ففي مدينة هامبورغ، أقدم أنصار رضا بهلوي على الاعتداء بالضرب المبرح على الناشط المعارض فربد ملوكيان، المرتبط بـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية وائتلافها المعارض المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بسبب رفعه صوراً لشهداء ومعتقلين سياسيين وانتقاده للحقبة البهلوية. هذا الاعتداء دفع الادعاء العام في هامبورغ وأجهزة أمن الدولة إلى فتح تحقيق جنائي رسمي.
بيد أن المؤشر الأكثر خطورة على تحول هذا التيار نحو العمل المليشياوي المنظم ظهر في كندا؛ حيث تعرض الناشط السياسي مسعود مسجودي، الذي عُرف بانتقاده العلني لأهلية بهلوي السياسية؛ لعملية اغتيال وتصفية جسدية. وتأكّد هذا المسار الجنائي بإعلان الشرطة الكندية القبض على اثنين من أنصار رضا بهلوي للاشتباه في تورطهما المباشر في الجريمة. تعكس هذه الحوادث انتقالاً استراتيجياً من خانة الممارسة السياسية إلى خانة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مما يضع أجهزة الأمن الغربية أمام تحدي ضبط خلايا العنف السياسي على أراضيها.
التناقض البنيوي: استنساخ إرث “السافاك” وغياب الهيكلية المؤسسية
تكمن الأزمة العميقة لهذا التيار في المفارقة الجيوسياسية بين الخطاب الموجه للغرب والممارسة في الشارع. فبينما يطرح بهلوي نفسه كقائد لانتقال ديمقراطي، شهدت مسيرة لمواليه في مدينة ريغنسبورغ الألمانية رفع شعارات تمجد جهاز الاستخبارات في عهد الشاه السافاك، وهو الجهاز السيئ السمعة تاريخياً بممارسات التعذيب والقمع الشامل.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير السويسري في شؤون الشرق الأوسط، رينهارد شولتسه، أن تيار بهلوي يفتقر إلى تنظيم سياسي حقيقي أو هيكلية ديمقراطية متماسكة، بل يقتصر على شبكات هلامية تمارس العنف اللفظي والجسدي لإسكات المنتقدين. هذا التقييم الأكاديمي يوضح أن العنف الراهن ليس سلوكاً فردياً معزولاً، بل هو إفراز طبيعي لبنية سياسية تفتقر للمؤسسات التعددية، وتعتمد على الإرث السلطوي كمرجعية وحيدة لها.
التداعيات الجيوسياسية ومستقبل البديل السياسي
على الصعيد الاستراتيجي، تؤدي هذه الانتهاكات الموثقة من قِبل جهات مستقلة مثل شبكة آر دي والقضاء الأوروبي والكندي إلى نتائج عكسية تماماً لطموحات التيار البهلوي: أولاً، تفقد هذه القوى ميزتها الأخلاقية والسياسية أمام المجتمع الدولي، وتثبت لمراكز القرار في واشنطن وبروكسل أنها لا تمثل بديلاً مستقراً أو ديمقراطياً. ثانياً، يسهم هذا السلوك الفاشي في إبراز الأطراف الأخرى في المعارضة، وتحديداً القوى المنظمة ذات العمق المؤسسي والميداني مثل منظمة مجاهدي خلق، كطرف أكثر انضباطاً والتزاماً بالقواعد السياسية والقانونية الدولية، وتقديمها كبديل حقيقي يمتلك هياكل واضحة بعيدة عن الفوضى المليشياوية.
إن صمت رضا بهلوي وعدم إدانته الصريحة والفعالة لهذه الجرائم، ومحاولته إلقاء اللوم على “مؤامرات خارجية”، يعزز القناعة الدولية بأن هذا التيار يحمل في جيناته السياسية بذور إعادة إنتاج الديكتاتورية، مما يقلص من فرص اعتماده دولياً كلاعب مستقبلي في معادلة التغيير الإيرانية.








