تجمع لأنصار الشاه في ألمانيا-
موقع المجلس:
لم يكن رفع شعارات السافاك خلال تجمع لأنصار الشاه في ألمانيا مجرد تعبير عن حنين سياسي إلى الماضي، بل عكس محاولة واضحة لإعادة تقديم إرث قائم على القمع والتعذيب والاستبداد تحت غطاء تمجيد عهد الشاه.
قیادات الشرطة السرية في عهد الشاه-
ففي مدينة ريغنسبورغ بولاية بافاريا، أثار الظهور العلني لشعار جهاز السافاك – الشرطة السرية في عهد الشاه – موجة واسعة من الجدل، باعتباره خطوة تتجاوز حدود الاستفزاز السياسي لتصل إلى محاولة إعادة تبييض صورة إحدى أكثر المؤسسات الأمنية إثارة للرعب في تاريخ إيران الحديث.
ويحمل رفع هذا الرمز في قلب أوروبا الديمقراطية دلالات خطيرة، إذ يُنظر إليه بوصفه محاولة لتطبيع العنف السياسي وتمجيد ممارسات التعذيب والقمع التي تعرض لها آلاف الإيرانيين خلال الحقبة الملكية. لذلك، لا يُعد هذا الحدث شأناً يخص الجالية الإيرانية وحدها، بل يمثل اختباراً للقيم الديمقراطية والقانونية التي تأسست عليها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
وبعد المآسي التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، تبنت الدول الأوروبية، وخاصة ألمانيا، قوانين صارمة لمنع عودة الأيديولوجيات الفاشية والاستبدادية. فالقانون الألماني يجرّم استخدام رموز التنظيمات المتطرفة وغير الدستورية، كما يرفض أي تمجيد للجرائم ضد الإنسانية أو التقليل من شأنها.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الترويج لرموز السافاك باعتباره تصادماً مباشراً مع المبادئ المناهضة للفاشية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الأوروبي، وليس مجرد تصرف رمزي عابر.
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، لم يكن السافاك مجرد جهاز استخبارات، بل أداة رئيسية لبث الخوف وترسيخ القمع السياسي في عهد الشاه. فقد ارتبط اسمه بالمراقبة الأمنية، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، وانتزاع الاعترافات بالقوة، إضافة إلى تصفية المعارضين السياسيين.
كما وثقت منظمات حقوقية عديدة الانتهاكات التي ارتكبها هذا الجهاز، حيث صُنفت إيران في سبعينيات القرن الماضي ضمن الدول الأكثر ممارسة للتعذيب والقمع السياسي. وأصبحت أساليب السافاك، مثل الصدمات الكهربائية والعزل الطويل وأساليب التحقيق القاسية، رمزاً لعنف الدولة المنظم.
ومن هنا، يرى منتقدون أن الاحتفاء العلني برموز السافاك لا يمكن اعتباره تعبيراً ديمقراطياً، بل محاولة لإعادة تلميع تاريخ قائم على الإرهاب السياسي.
وتكشف هذه الحادثة أيضاً، بحسب مراقبين، عن أزمة أيديولوجية داخل بعض الأوساط المحيطة برضا بهلوي، حيث تسعى بعض التيارات إلى تصوير عهد الشاه كمرحلة تحديث وتقدم، مع تجاهل أو تقليل حجم القمع والانتهاكات التي شهدتها تلك الحقبة.
ويشير منتقدو هذه التيارات إلى أن تمجيد رموز أمنية مثل السافاك يعكس نزعات استبدادية تقوم على عبادة الفرد والقومية المتطرفة وتمجيد السلطة الأمنية، وهي سمات ارتبطت تاريخياً بالأنظمة الفاشية.
كما أن إعادة تقديم شخصيات مثل برويز ثابتي، أحد أبرز مسؤولي السافاك السابقين، في المشهد السياسي المعارض، يُعد بالنسبة للبعض محاولة لمنح الشرعية مجدداً لأساليب الحكم القمعية.
وفي المقابل، يرى محللون أن الاستبداد في إيران لا يقتصر على النظام الديني الحالي، بل يشمل أيضاً بعض التيارات الملكية المتشددة التي تتبنى خطاباً إقصائياً وترفض التعددية السياسية.
ويؤكد هؤلاء أن الطرفين، رغم اختلاف شعاراتهما، يشتركان في خصائص متشابهة، أبرزها رفض المعارضة، وتقديس السلطة، واستخدام الترهيب السياسي، والسعي لتركيز الحكم بيد قيادة مطلقة.
كما أن استمرار هذا الاستقطاب بين الاستبداد الديني والحنين السلطوي للنظام الملكي، بحسب المنتقدين، يعرقل ظهور بديل ديمقراطي حقيقي قائم على التعددية وحقوق الإنسان.
وفي هذا الإطار، تُطالب أصوات حقوقية وسياسية بألا تتسامح الديمقراطيات الأوروبية مع أي محاولات لتطبيع رموز القمع، سواء المرتبطة بالنظام الحالي أو بالنظام الملكي السابق، معتبرة أن التغاضي عن هذه الممارسات يسيء لضحايا التعذيب والانتهاكات في مختلف مراحل تاريخ إيران.
ويشدد المدافعون عن التحول الديمقراطي في إيران على أن تطلعات الشعب الإيراني لم تكن يوماً استبدال ديكتاتورية بأخرى، بل إنهاء منظومة القمع بكافة أشكالها، سواء حملت طابعاً دينياً أو ملكياً.
وفي حال قيام دولة ديمقراطية قائمة على سيادة القانون وحقوق الإنسان، يرى ناشطون أن جميع المتورطين في جرائم التعذيب والانتهاكات الجسيمة، سواء في عهد الشاه أو في ظل النظام الحالي، يجب أن يخضعوا للمحاسبة العادلة، باعتبار أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
وبذلك، فإن الجدل المثار حول ظهور رموز السافاك في ألمانيا لا يُنظر إليه كخلاف سياسي هامشي، بل كجزء من معركة أوسع تتعلق بمستقبل إيران وهويتها السياسية، وبمنع عودة الاستبداد تحت أي مسمى أو راية جديدة.








