میدل ایست اونلاین- منی سالم الجبوري:
النظام الإيراني أثبت أنه ليس مجرد نظام سياسي تقليدي يمكن مقارنته بغيره من الأنظمة الحديثة، بل حالة استثنائية في بنيتها الفكرية والسياسية.
النظام الايراني بقيادة مجتبى خامنئي يتجه الى المزيد من التشدد
على الرغم من التصريحات المتضاربة الصادرة عن طرفي الحرب (إيران والولايات المتحدة) التي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي بشأن المفاوضات الجارية بينهما للتوصل إلى اتفاق يضع حداً ليس للحرب فقط، وإنما أيضاً لطموحات النظام الذي يحكم إيران منذ 47 عاماً، إضافة إلى المواقف والتقديرات الصادرة عن أطراف إقليمية وأوروبية ودولية، فإن الحذر ما يزال يطغى على النظرة إلى مآلات هذه المفاوضات وإمكانية نجاحها.
ويعود هذا الحذر إلى جملة من الاعتبارات المرتبطة بطبيعة النظام القائم في طهران، فإيران كانت توصف لسنوات طويلة في عهد الشاه بأنها “شرطي المنطقة”، غير أن الاعتقاد بأن النظام الديني الذي أعقب سقوطه قد سلك مساراً مختلفاً يبدو بعيداً عن الواقع، فالنظام الجديد لم يكتفِ بمواصلة النهج السابق، بل مضى أبعد منه، بحيث لم يعد مجرد طرف ينفذ سياسات أو يفرض نفوذاً، وإنما تحول إلى قوة تسعى لفرض رؤيتها وقواعدها على المنطقة بأسرها.
وإذا كان نظام الشاه يمثل نموذجاً للدكتاتورية الوراثية التي تحكم بقبضة حديدية، فإن النظام الذي خلفه أضفى على سلطته بعداً عقائدياً، مقدماً ممارساته وسياساته باعتبارها ذات شرعية دينية لا يجوز الاعتراض عليها.
والأهم من ذلك أنه واصل المشروع الذي بدأ منذ العهد الصفوي والقائم على توسيع النفوذ والهيمنة في العالمين العربي والإسلامي تحت غطاء ديني يحمل في طياته بُعداً طائفياً واضحاً.
ومن خلال هذا النهج، أثبت النظام الإيراني أنه ليس مجرد نظام سياسي تقليدي يمكن مقارنته بغيره من الأنظمة الحديثة، بل حالة استثنائية في بنيتها الفكرية والسياسية، فقد اعتمد على توظيف مقدرات الدولة الإيرانية كافة لترسيخ نفوذه داخلياً وخارجياً، وتحويل مشروعه إلى أمر واقع على مستوى الإقليم، الأمر الذي جعله مصدر توتر دائم وصداع سياسي وأمني للمجتمع الدولي.
وفي المقابل، من اللافت أن حجم التعاطف الدولي مع إيران، رغم الدمار والخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب التي بدأت بهجوم أميركي ـ إسرائيلي، ظل محدوداً للغاية. ويعود ذلك، وفق كثير من التقديرات، إلى قناعة واسعة بأن النظام الإيراني لعب دوراً رئيسياً في تهيئة الظروف التي قادت إلى هذا التصعيد، عبر سياساته الإقليمية ونهجه القائم على التوسع والصدام.
بل إن قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي كانت تترقب احتمال حدوث تغيير سياسي داخل إيران، وهو ما يعكس حجم القلق وعدم الارتياح تجاه النظام القائم، لا سيما في ظل الانتقادات المتواصلة المرتبطة بملف حقوق الإنسان، وسياسات القمع والتضييق التي تمارس بحق الشعب الإيراني عبر أدوات أمنية واستثنائية.
وبعد كل هذه المعطيات، يعود التساؤل مجدداً بشأن مستقبل الاتفاق المنتظر وإمكانية التعويل عليه لتحقيق استقرار دائم، فبعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي وعدد من القيادات البارزة، تحدثت بعض التقارير عن احتمال ظهور قدر من المرونة أو الاعتدال داخل القيادة الجديدة، غير أن هذه التقديرات، وفق مراقبين، لم تجد ما يدعمها على أرض الواقع، خاصة مع تزايد المؤشرات التي تفيد بأن إيران في عهد مجتبى خامنئي قد تكون أكثر تشدداً من السابق.
كما أن الاعتقاد بإمكانية التزام طهران الكامل بأي اتفاق، خصوصاً في ما يتعلق بالملفات المرتبطة بنهجها الإقليمي والعقائدي، يبقى موضع شك لدى كثير من الأوساط السياسية، التي ترى أن هذه الرهانات تستند في جانب منها إلى الأمنيات أكثر مما تستند إلى معطيات واقعية مستمدة من طبيعة النظام نفسه.
وفي ضوء ذلك، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن أي تهدئة حقيقية ومستدامة في إيران والمنطقة لن تتحقق إلا عبر تغيير سياسي جذري ينبع من الداخل الإيراني نفسه، باعتباره العامل الوحيد القادر على إعادة صياغة العلاقة بين إيران ومحيطها الإقليمي على أسس مختلفة.








