موقع المجلس:
في ظل مرحلة إقليمية مضطربة تتشابك فيها النزاعات العسكرية مع الأزمات الداخلية المتصاعدة، يبرز انعقاد المؤتمر الدولي الداعم للحكومة المؤقتة المنبثقة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كحدث يطرح تساؤلاً محورياً: هل لا تزال الأساليب التقليدية كافية للتعامل مع الملف الإيراني، أم أن المرحلة الراهنة تفرض مراجعة شاملة لهذا النهج؟
ما يجري في إيران اليوم يتجاوز كونه أزمة سياسية عابرة، إذ يمثل حصيلة عقود من السياسات القائمة على القمع الداخلي والتوسع الخارجي. ولم يكن هذا المسار مفاجئاً، بل سبقته تحذيرات متكررة من قوى المعارضة، التي كشفت منذ سنوات مبكرة عن ملامح هذه الأزمة، سواء عبر تسليط الضوء على مشاريع التطرف أو الكشف عن البرنامج النووي السري وشبكات النفوذ الإقليمي وأدوات القمع.
غير أن الإشكالية لم تقتصر على طبيعة النظام فحسب، بل شملت أيضاً طريقة تعامل المجتمع الدولي معه. فسياسات التهدئة والاسترضاء التي اعتمدتها بعض القوى الدولية لم تحقق الأهداف المرجوة، بل أسهمت في تعزيز نفوذ النظام. وقد أثبتت التجربة أن محاولة تغيير سلوكه عبر الاحتواء لم تكن سوى تقدير خاطئ أدى إلى تفاقم الأزمات بدلاً من احتوائها.
اليوم، تبدو معالم المشهد أكثر وضوحاً؛ إذ إن المخاوف من الفوضى في حال غياب النظام تحققت عملياً في ظل استمراره، كما أن محاولات احتواء التطرف أفرزت أزمات ممتدة داخل إيران وخارجها. وفي الوقت ذاته، لم يحقق القمع المستمر أي استقرار حقيقي، بل زاد من احتمالات الانفجار الداخلي.
وفي هذا الإطار، تبرز قضية البديل السياسي كعنصر أساسي في النقاش. فلطالما طُرحت فرضية أن سقوط النظام سيؤدي إلى فراغ، غير أن الطرح الحالي يقدم تصوراً مختلفاً يقوم على وجود حكومة مؤقتة، وبرنامج سياسي واضح، وخطة انتقالية محددة.
ويرتكز هذا التصور على مجموعة عناصر، من بينها وجود إطار سياسي منظم، وشبكات داخلية فاعلة، وخبرة تنظيمية ممتدة، إضافة إلى رؤية لما بعد التغيير. وهو ما يعكس سعياً لتجاوز إشكالية غياب البديل، التي رافقت العديد من تجارب التحول السياسي في المنطقة.
ومن أبرز ما يميز هذا الطرح تأكيده على أن عملية التغيير يجب أن تنبع من الداخل، لا أن تُفرض من الخارج. فالتجارب الإقليمية أظهرت أن التدخلات الخارجية غالباً ما تقود إلى نتائج غير مستقرة، في حين أن التغيير الداخلي، رغم تعقيداته، يظل أكثر قدرة على تحقيق استقرار طويل الأمد.
في المقابل، فإن العودة إلى أنماط حكم سابقة، حتى وإن قُدمت بأشكال جديدة، لا تبدو خياراً واقعياً. فإيران، التي عانت طويلاً من أنظمة استبدادية، يصعب أن تقبل بإعادة إنتاج تلك التجارب. كما أن فرض بدائل لا تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها.
ومن ناحية أخرى، تعكس التطورات داخل النظام نفسه، بما في ذلك النزعة نحو تكريس الطابع الوراثي للسلطة، حالة من الانسداد السياسي. فبدلاً من تقديم حلول للأزمات المتراكمة، يبدو أن النظام يتجه إلى إعادة إنتاج ذاته بصورة أكثر هشاشة، ما قد يسرّع من تآكل شرعيته.
وفي هذا السياق، تطرح المعارضة رؤية تقوم على إقامة نظام جمهوري ديمقراطي، وفصل الدين عن الدولة، وتعزيز حقوق المرأة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وترسيخ التعددية السياسية. وهي مبادئ تعكس توجهاً نحو إعادة بناء العقد الاجتماعي في إيران.
إلا أن التحدي الأكبر لا يكمن في طرح هذه المبادئ، بل في القدرة على تنفيذها عملياً. فمرحلة ما بعد التغيير تتطلب إدارة دقيقة، ومؤسسات قوية، وخطة انتقالية واضحة تضمن الاستقرار. ومن هنا تبرز أهمية الحكومة المؤقتة كأداة لإدارة هذه المرحلة الحساسة.
في المحصلة، تبدو الأزمة الإيرانية قد بلغت مرحلة لم يعد معها استمرار الوضع القائم خياراً قابلاً للاستمرار. فالعوامل التي أدت إلى تفاقمها لا تزال قائمة، بل تتزايد تعقيداً، في حين يعكس طرح البدائل السياسية إدراكاً متنامياً بأن التغيير بات مسألة وقت.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المجتمع الدولي ليس في توقع حدوث التغيير، بل في كيفية التعامل معه بما يحد من تداعياته ويحول دون انزلاقه نحو الفوضى. وبين الاستمرار في سياسات ثبت إخفاقها، أو تبني مقاربات جديدة أكثر واقعية، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في إيران والمنطقة.








