موقع المجلس:
لليوم الثاني على التوالي، تعود إيران إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي بوصفها ساحة مفتوحة لغليان شعبي متصاعد. فقد تحوّل البازار الكبير والشوارع الحيوية في العاصمة طهران إلى مسرح مواجهة مباشرة بين مجتمع يرزح تحت وطأة الضيق المعيشي، ونظام يترنح بفعل أزمات اقتصادية وسياسية عميقة. وما انطلق كتحرك احتجاجي على الأوضاع المعيشية، سرعان ما اتخذ طابعاً سياسياً صريحاً، موجهاً بوصلته نحو رأس النظام وأُسسه العقائدية والأمنية.
إغلاق المتاجر، وارتفاع سقف الشعارات من قبيل «الموت للديكتاتور» و«هذا العام عام الدم، سيد علي إلى السقوط»، لم يعد يُقرأ بوصفه تعبيراً عن ضيق اقتصادي فحسب، بل كإعلان واضح بأن الشارع الإيراني تجاوز مرحلة المطالب الجزئية، وانتقل إلى مواجهة شاملة مع نظام ولاية الفقيه باعتباره المصدر الأساسي للأزمة والانهيار. فالتضخم القياسي، والانهيار المتسارع للعملة الوطنية، وتآكل مقومات العيش، باتت تُفهم في سياق واحد مع الاستبداد السياسي والفساد البنيوي.
اللافت أن انتفاضة طهران لم تبقَ محصورة في العاصمة، بل امتدت أصداؤها إلى مدن عدة، من مشهد والأهواز إلى كرمان وكرمانشاه وهمدان، في مشهد يعكس اتساع رقعة الغضب وتوحّد المزاج الاحتجاجي. وفي الأهواز تحديداً، ارتفعت نبرة التحدي بشعار «خامنئي قاتل، ولايته باطلة»، في مساس مباشر برمزية الولي الفقيه وسلطته.
أما ردّ النظام، فجاء وفق نمطه التقليدي القائم على المقاربة الأمنية: استنفار شامل، نشر مكثف لقوات الحرس والباسيج، واستقدام وحدات احتياط من المحافظات. غير أن هذا الاستعراض القمعي لم ينجح في احتواء الحراك، بل عكس حالة القلق المتزايد داخل دوائر الحكم. حتى وسائل الإعلام الرسمية، ومنها وكالة فارس، اضطرت – رغم خطاب التخويف – إلى الإقرار بأن ما يجري تجاوز الإطار المعيشي، ويدخل مرحلة من «اللااستقرار السياسي».
دولياً، لم تمر التطورات دون صدى. فقد ربطت وكالات أنباء كبرى، مثل رويترز وأسوشيتد برس، الاحتجاجات بالتدهور الحاد للعملة وتصاعد السخط الشعبي، مذكّرة بالدور التاريخي لبازار طهران في التحولات المفصلية، وعلى رأسها ثورة عام 1979. وهو ما يفسر القلق العميق لدى النظام من تكرار المشهد، ولكن هذه المرة في مواجهته.
في هذا المناخ، تبرز دعوة السيدة مريم رجوي إلى توسيع رقعة الاحتجاجات وخلق «سلسلة من الانتفاضات»، بوصفها قراءة سياسية تعتبر ما يجري فرصة تاريخية لتجميع الغضب الشعبي وتحويله إلى قوة تغيير منظمة. فالتجار، وفق هذا الطرح، لم يكتفوا بتشخيص الأزمة، بل دلّوا أيضاً على مسار الحل: المقاومة والانتفاضة.
ما تشهده إيران اليوم لا يبدو حدثاً عابراً ولا موجة احتجاج ظرفية، بل محطة جديدة في صراع مفتوح بين شعب يطالب بالحرية والكرامة، ونظام لم يعد يملك سوى أدوات القمع لضمان بقائه. ومع تسارع الأحداث، تتعزز المؤشرات على أن بركان الغضب الشعبي بات أقرب من أي وقت مضى إلى لحظة الانفجار الكبير.








