مركز أبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا – د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي
مقدمة
أرضٌ أغنت البشرية بالماء والحضارة… ويُفقرها الملالي اليوم حتى آخر قطرة. حيث لم تعد أزمة المياه في طهران مجرّد أزمة بيئية عابرة، بل غدت جرس إنذار يدوّي في قلب نظامٍ فقد القدرة على إدارة أهم موارد الحياة. فإيران التي كانت تُعدّ من أغنى دول المنطقة بالمياه الجوفية والأنهار التاريخية، تحوّلت اليوم إلى بلدٍ يستجدي المطر ويغرق في العطش، لا بسبب الطبيعة، بل بسبب نظام الملالي الذي امتهن إهدار الثروات وقمع العقول.
مشاريع فاشلة؛ وخطاب يعلّق الجريمة على السماء
رغم مليارات الدولارات التي ضُخت في مشاريع السدود، بقيت إيران أمام واقع أكثر قسوة:
أنهار جفّت، وقرى نزحت، ومدنٌ كبرى – وفي مقدمتها طهران – تواجه خطر الانقطاع الشامل للمياه. لكنّ النظام – كعادته – لجأ إلى أسهل الكذبات: “التغيّر المناخي هو المسؤول”.
وكأنه لا يعرف أن عشرات الدراسات الدولية وجّهت أصابع الاتهام إلى السياسات الكارثية للملالي:
• بناء سدود عشوائية لصالح الحرس الثوري.
• تحويل مجاري مياه لخدمة مصانع وشركات تابعة للسلطة.
• تدمير شبكات الري القديمة.
• إهمال أي إصلاح استراتيجي على مدى أربعة عقود.
إنّ ما يجري ليس أزمة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لنهج حكم لا يرى في البيئة سوى غنيمة للنهب.
طهران على الحافة: مدينة تحت تهديد العطش والانفجار الاجتماعي
اليوم، يعيش أكثر من 15 مليون مواطن في طهران على وقع تقنين المياه، وتهديدات بانهيار الشبكات في أي لحظة.
هذه العاصمة العملاقة، التي يعجز النظام عن تأمين احتياجاتها الأساسية، باتت برميل بارود مرشّحًا للانفجار. فالأزمة الاقتصادية الخانقة، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات، جاءت لتلتقي مع عطشٍ يومي يشعر به المواطن في بيته وحيّه ومدرسته.
وعندما يكتشف الشعب أن النظام ينفق المليارات على الميليشيات في الخارج، بينما يترك أطفاله يبحثون عن قطرة ماء، تصبح شرارة الاحتجاج أكثر قربًا من أي وقت مضى.
الملالي بين جفاف الأرض وجفاف الشرعية؛ لا يمكن فصل أزمة المياه عن أزمة الشرعية التي يعيشها النظام. فكل قطرة مفقودة تكشف فشله الإداري، وكل نهر جافّ يفضح فساده البنيوي. لقد فقد النظام أي قدرة على الإقناع، لأن حقائق الأرض لا تُجمِّلها الخطب:
• أكثر من 300 مدينة تواجه نقصًا حادًا في المياه.
• آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية تحوّلت إلى تضاريس قاحلة.
• هجرة داخلية واسعة من الريف نحو المدن، ثم نحو البطالة.
هذا هو الوجه الحقيقي للنظام الذي يدّعي “الاقتدار”، بينما يعجز عن تأمين أبسط مقومات الحياة.
حين يتحوّل الماء إلى سياسة؛ وإلى مستقبل مجهول
أزمة المياه في إيران ليست مسألة بيئية فقط، بل قضية سياسية بامتياز. فالنظام الذي فقد القدرة على الإدارة، ودفن المؤسسات المتخصصة، واحتكر القرار في يد الأجهزة الأمنية، لا يمكنه سوى إنتاج مزيد من الأزمات. وكلّما اشتدّ الجفاف، ازداد التوتر الاجتماعي، واتّسعت الهوّة بين الشعب وحكامه. لقد بات واضحًا أن المياه قد تتحوّل إلى شرارة موجة احتجاجية جديدة، لأن الناس قد تصبر على الفقر، لكنّها لن تصبر على العطش.
الخاتمة:
إيران لا تعاني من ندرة المياه… بل من ندرة الكفاءة؛ الحقيقة القاطعة هي أن إيران ليست دولة فقيرة بالمياه، بل فقيرة بنظامٍ صالح للحكم. وأنّ جفاف الأنهار ليس سوى انعكاس لجفاف التفكير لدى سلطة لا ترى الوطن إلا مزرعة خاصة. إنّ أزمة المياه في طهران ليست نهاية كارثة، بل بداية أسئلة كبرى:
إلى متى يُحكَم الشعب بمنطق النهب؟
وإلى متى يُترك مصيره رهينة نظام يُغرق المنطقة في الفوضى بينما يترك بلاده تغرق في العطش؟
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي








