موقع المجلس:
مع حلول ديسمبر 2025، عادت الساحة الاجتماعية في إيران لتكشف بوضوح عن تصاعد التوتر المعيشي وتعمّق السخط البنيوي. فالتجمعات والإضرابات والاحتجاجات الفئوية التي اندلعت بالتزامن في مدن متعددة، من الأهواز وخمينيشهر إلى تكاب وكرمانشاه وأصفهان وشوش وطهران وزنجان وفارس وخراسان الجنوبية، لم تعد مجرّد حوادث معزولة.
هذه التحركات تعكس انتقال الأزمة الاقتصادية من مستوى الأرقام والتقارير إلى ميدان الاحتجاج الاجتماعي، وتدل على تراكم أزمة بنيوية في واقع بات مهيأً للانفجار.
احتجاج الخبازين: مقياس الاستقرار الاجتماعي
في خمينيشهر والأهواز، خرج الخبازون إلى الشوارع احتجاجًا على تقليص حصص الدقيق. والخبز، بوصفه المادة الغذائية الأساسية، يُعد مؤشرًا بالغ الحساسية للاستقرار الاجتماعي. أي اضطراب في تأمينه، ولا سيما في ظل التضخم المتسارع، لا يمكن اعتباره مطلبًا فئويًا محدودًا، بل إشارة سياسية واجتماعية بالغة الدلالة. ويكشف تزامن احتجاجات الخبازين في أكثر من مدينة أن سياسات الدعم وتنظيم السوق، بدل أن تخفف الضغط، أصبحت جزءًا من الأزمة نفسها.

متقاعدو الضمان الاجتماعي: دليل على تفكك العقد الاجتماعي
بالتوازي، شهدت مدن مثل الأهواز وكرمانشاه وشوش وطهران تجمعات لمتقاعدي الضمان الاجتماعي. هذه الشريحة، التي اعتُبرت تقليديًا أكثر ميلًا للاستقرار، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الفئات احتجاجًا. فالهوة بين رواتب التقاعد وكلفة المعيشة الحقيقية اتسعت إلى حدّ لم يعد قابلًا للتغطية أو الإنكار، حتى من داخل النظام نفسه.
المتقاعد الذي أفنى عمره في العمل دون أن يحظى بأمن معيشي، بات شاهدًا حيًا على انهيار العقد الاجتماعي.
اتساع رقعة الاحتجاج جغرافيًا وقطاعيًا
في أصفهان، احتج متقاعدو قطاع الصلب، بينما تواصل إضراب عمال باسارغاد لسبائك الصلب في فارس. وفي تكاب، خرج عمال منجم الذهب “زرّه شوران”، وفي زنجان احتج عمال مصنع “إيران ترانسفو” المفصولون في كوشكن. هذا الامتداد الجغرافي والتنوع القطاعي يؤكد أن الأزمة لا تخص قطاعًا بعينه، بل تشمل الصناعات الأساسية والخدمات العامة، وتمس العمال والمتقاعدين على حد سواء.
الطلاب والمعلمون: أزمة الحاضر والمستقبل
في طهران، سُجّلت احتجاجات متزامنة لمتقاعدي التربية والتعليم، والمتطوعين (المرشحين للتوظيف)، إضافة إلى طلاب المدينة الجامعية الذين احتجوا على الغلاء وتدهور أوضاعهم المعيشية. دخول الطلاب على خط الاحتجاجات المطلبية يربط بوضوح بين الأزمة الاقتصادية ومستقبل المجتمع. فحين يحتج الطالب، بوصفه رمزًا لرأس المال البشري القادم، على أبسط شروط الحياة، فإن الرسالة تكون واضحة: الأزمة لا تهدد الحاضر فحسب، بل تُغلق أفق الغد أيضًا.
من الممرضين إلى متقاعدي الاتصالات: احتجاج على النهب المنظم
وفي 15 ديسمبر 2025، شهدت عشرات المدن الإيرانية موجة واسعة من الاحتجاجات العمالية والاجتماعية، كان أبرزها تجمعات متقاعدي قطاع الاتصالات في ما لا يقل عن عشرة مراكز حضرية، تنديدًا بما وصفوه بـ“النهب والظلم” من قبل مؤسسات نافذة، في مشهد يعكس اتساع دائرة الغضب الاجتماعي.
تحذير من داخل السلطة: “الجياع قد ينزلون إلى الشوارع”
تكتسب هذه التحركات وزنًا إضافيًا عند وضعها إلى جانب تحذيرات صدرت من شخصيات سياسية محسوبة على النظام. فقد حذّر حسين مرعشي، الأمين العام لحزب “كوادر البناء”، بلهجة غير معتادة من “خطر جدي وقريب جدًا”، في إشارة ضمنية إلى انفجار اجتماعي محتمل. ونقل موقع “سازندكي” في 12 ديسمبر 2025 عنه قوله إن أزمة تأمين الغذاء باتت قريبة إلى حد قد يدفع “الناس الجياع إلى الشوارع”، معتبرًا ذلك خطرًا لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه.
وأشار مرعشي إلى أن غياب إصلاحات حقيقية في السياسات القائمة قد يؤدي إلى ردود فعل انفجارية. وتكمن أهمية هذا التحذير لا في مضمونه، الذي بات ملموسًا اجتماعيًا، بل في صدوره عن شخصية مخضرمة من داخل بنية النظام.
مرحلة جديدة من الأزمة
إن تزامن الاحتجاجات الميدانية مع اعترافات وتحذيرات رسمية يعكس دخول الأزمة مرحلة مختلفة، حيث اتسعت الفجوة بين الواقع الاجتماعي والخطاب الرسمي إلى حدّ دفع جزءًا من السلطة إلى الإقرار بها. الشارع والمؤسسات الرسمية باتا يلتقيان عند حقيقة واحدة: التدهور الحاد في القدرة المعيشية للمجتمع.
وفي العاشر من ديسمبر، شهدت مدن كبرى موجة احتجاجات متزامنة لعمال النفط والكهرباء والرعاية الاجتماعية، في تعبير واضح عن انهيار الثقة بالمؤسسات الرسمية وبالنموذج الاقتصادي القائم.
ملامح إعادة اصطفاف اجتماعي
اللافت أن الاحتجاج لم يعد حكرًا على فئة واحدة؛ فالخباز، والمتقاعد، والعامل الصناعي، والطالب، وطالب العمل، جميعهم باتوا في الميدان في وقت واحد. وعندما تتقاطع هذه المطالب، لا يعود الأمر نزاعًا فئويًا محدودًا، بل يتحول إلى تساؤل جوهري حول كفاءة نظام الحكم وقدرته على إدارة المجتمع.
وعليه، يمكن قراءة احتجاجات ديسمبر 2025 كبدايات لإعادة اصطفاف اجتماعي من القاعدة. وإذا لم تُواجَه هذه الدينامية باستجابة هيكلية حقيقية، فقد تتطور إلى أشكال أكثر حدّة من الاحتجاج الجماعي. إن التحذير من “الجياع في الشوارع” ليس مبالغة إعلامية، بل توصيف مبكر لعاصفة بنيوية تتشكل ملامحها اليوم في مدن إيران المختلفة.








