موقعالمجلس:
يشكّل استقلال الجامعات ومراكز البحث عن هيمنة السلطة السياسية قاعدة راسخة في كل تجارب النهوض العلمي، غير أنّ نظام الملالي في إيران يصرّ على قلب هذه القاعدة رأساً على عقب. ففي مسعى لحماية بقائه، يعمل النظام على تفريغ المؤسسة الأكاديمية من مضمونها، ما قاد إلى انهيار اقتصادي واسع، وكوارث بيئية، وهجرة غير مسبوقة للعقول، وانتشار الإحباط بين الطلبة. وتشير شهادات من داخل البلاد إلى أن الحرم الجامعي تحوّل إلى ما يشبه “الثكنة المغلقة”، حيث تُسلب هوية الطالب ويُحاصر كل شكل من أشكال التعبير، في محاولة فاشلة لاحتواء غضب يتراكم تحت السطح وينذر بانفجار وشيك.

تفكيك منهجي للجامعة وإقصاء للأصوات الحرة
وبينما يرفع نظام الولي الفقيه شعارات التنمية، تكشف الوقائع أن الفساد البنيوي وتعطّل عجلة التقدم هما النتيجة الحقيقية لسياساته. حتى الصحافة الحكومية باتت تُدلي بما يشبه اعترافات غير مباشرة بهذا الواقع، دون أن تقترب من تسمية المسؤول.
ففي عددها الصادر في 7 ديسمبر 2025، أفادت صحيفة “هم ميهن” بأن الجامعات الإيرانية شهدت بين عامَي 2021 و2024 موجات واسعة من “التطهير الأكاديمي” شملت طلاباً وأساتذة، ما وضع المؤسسات التعليمية أمام ضغوط غير مسبوقة. وأكدت الصحيفة أن الحرم الجامعي لم يعد يتسع إلا للأصوات الموالية للسلطة، فيما يجري خنق أي رأي ناقد.
7 ديسمبر… يوم الطالب بين ذاكرة المقاومة وظلال القمع
لم يعد “يوم الطالب” مناسبة رمزية في إيران، بل تحوّل إلى تاريخ يستحضر صراعاً مستمراً بين روح الجامعة وسلطة الاستبداد.
“جامعة بثوب عسكري”… قرار لا يصدر قبل موافقة الباسيج
ونقلت “هم ميهن” عن أستاذ علم اجتماع متقاعد من جامعة طهران وصفه لحالة الجمود داخل الجامعة قائلاً:
“المناخ الجامعي اليوم مغلق ومشدود ومتجمد. لا وجود فعلياً لأي فضاء سياسي. الجامعة تحولت إلى ثكنة، ولا تستطيع الإدارة اتخاذ قرار — ولو كان بسيطاً — دون موافقة الحراسة وباسيج الطلبة”.
وفي السياق نفسه، أشار ناشط من جامعة “شريف” التكنولوجية إلى أن “الابتكار أصبح خطراً”، مؤكداً أن الهجرة صارت أولوية الطلاب في مواجهة واقع خانق.
مستقبل مسدود وحافز يتلاشى
من جهتها، ركّزت صحيفة “جهان صنعت” على “أزمة المستقبل” لدى الطلبة، معتبرة أن الضغوط الاقتصادية وغياب الحريات وانتشار البطالة بين الخريجين جعلت سنوات الدراسة الطويلة بلا جدوى. وأضافت أن الفساد والمحسوبية يفتحان الأبواب لغير المؤهلين، بينما يقف الخريجون عاجزين، وهو ما تسبب في انهيار شديد لدافعية الطلاب.
تدخل أمني يمتد إلى المدارس
وتورد تقارير أخرى أن السلطات لجأت حتى إلى إرسال قوات الشرطة لقمع الطلاب داخل المدارس، بدعم من وزير التربية والتعليم، في خطوة تكشف حجم القلق من أي تحرك شبابي، ولو كان في مراحله الدراسية الأولى.
خوف من “هوية جماعية”
وتقرّ الروايات الحكومية بأن الجامعة فقدت جوهرها ودورها الطبيعي. فبدلاً من أن تكون موقعاً لبناء الهوية الجماعية وممارسة المسؤولية الاجتماعية، أصبحت مساحة تتحكم بها الأجهزة الأمنية. أي نشاط طلابي — مهما كان — يُواجَه بنظرة شكية تخشى تجمع الإرادات وتبلور حالة احتجاجية.
بركان مؤجل… لا أكثر
رغم كل ما يبذله النظام من جهود لإظهار المشهد وكأنه تحت السيطرة، فإن النصوص الرسمية ذاتها تكشف أن الغضب يتخمر داخل الجامعات. وفق منطق علم الاجتماع السياسي، فإن هذا الغليان يشكل “حتمية انفجار” لا يمكن منعها إلا مؤقتاً. وقد ينجح النظام في تغطية فوهة البركان بالتراب والقمع، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً: إلى متى يمكن لهذا الغطاء الهش أن يصمد؟








