موقع المجلس:
تعكس تصريحات الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، من جهة، واللواء أمير حاتمي قائد جيش نظام ولاية الفقيه من جهة أخرى، حالة غير مسبوقة من الارتباك داخل هرم السلطة. ففي الوقت الذي يسعى فيه خامنئي إلى الإيحاء بأن الأوضاع “طبيعية وتحت السيطرة”، تكشف هذه المواقف العلنية عن انقسام واضح في تقييم التهديدات وفهم المشهد الأمني والسياسي، ما يشير إلى تصدّع داخلي وخلل في الإدارة الاستراتيجية للنظام.
روحاني يكشف هشاشة الأمن الداخلي
في لقائه مع أعضاء حكومته السابقة، ورغم محاولته التقليدية في الثناء على خامنئي، قدّم روحاني اعترافاً لافتاً بشأن التداعيات الأمنية لـ«حرب الأيام الـ12»، قائلاً: «صمدنا وتعرضنا لضربات ومشاكل». إلا أن أخطر ما قاله هو إقراره الواضح بغياب الأمن داخل البلاد، مضيفاً: «لا يوجد شعور بالأمن… انعدام الأمن الروحي والمجتمعي والفكري والذهني موجود».
في نظام يقوم على القبضة الأمنية، يُعتبر هذا الاعتراف من رئيس سابق مؤشراً على أن الوضع بلغ مستوى لا يمكن إخفاؤه حتى على مستوى النخب السياسية. كما أشار روحاني إلى حالة «لا حرب ولا سلم» التي تبناها خامنئي، معترفاً بأن النظام لم يحرز أي تقدم فعلي في إدارة هذا الوضع، في دلالة على شلل استراتيجي يطاول القرار السياسي.
تهديدات الجيش… خطاب هجومي يخالف الواقع الداخلي
على النقيض من ذلك، قدّم اللواء أمير حاتمي رواية مختلفة تماماً، إذ ربط أمن البلاد بأمن المنطقة، مؤكداً استعداد الجيش لـ«رد حاسم ومدمر» وعدم انتظار أي هجوم. هذا الخطاب المليء بالاستعراض العسكري يتناقض بشدة مع ما كشفه روحاني من تآكل الأمن النفسي والاجتماعي.
إن هذا التناقض بين الاعتراف بالضعف الداخلي وبين استعراض القوة المبالغ فيه يعكس فقدان النظام القدرة على إنتاج خطاب موحد حول الأمن الوطني. وفي الأنظمة الاستبدادية، يُعدّ اختلال الرواية الرسمية علامة بارزة على تراجع الشرعية وضعف تماسك السلطة.
ثلاث أزمات تضرب بنية الحكم
تُظهر تصريحات روحاني وحاتمي أن نظام ولاية الفقيه يواجه أزمات متوازية:
1. أزمة أمن اجتماعي ونفسي
يشير روحاني إلى أن غياب الشعور بالأمن يقوّض أي إمكانية للنمو الاقتصادي أو الاستقرار، في دليل على اهتزاز عميق في علاقة السلطة بالمجتمع.
2. أزمة أمن إقليمي وضغوط خارجية
اعتراف قائد الجيش بأن أمن الداخل مرتبط بأمن المنطقة يكشف أن سياسة التدخلات الإقليمية التي انتهجها النظام لسنوات وصلت إلى طريق مسدود، وأن تكلفتها الأمنية ارتدت على الداخل.
3. أزمة استراتيجية في قمة السلطة
الوضع الذي وصفه روحاني بـ«لا حرب ولا سلم» يعكس ارتباكاً واضحاً في قصر القرار، وفقدان القدرة على اختيار اتجاه سياسي أو عسكري مستقر.
انعدام الأمن… حقيقة لم يعد ممكناً التغطية عليها
المحصلة النهائية لهذه المواقف المتناقضة أن النظام يعيش أزمة مركّبة تشمل الأمن والشرعية وتماسك السلطة. فاعترافات روحاني تكشف عمق الضعف الداخلي، فيما يحاول الجيش تعويض الفجوة عبر خطاب عسكري صاخب لا يعكس الواقع.
وبين الخطابين، تظهر حقيقة واحدة: الشعور بانعدام الأمن لم يعد مجرد انطباع شعبي، بل واقع يؤكده كبار مسؤولي النظام السابقين والحاليين، وواقع لا تستطيع القوة الصاروخية أو التهديدات الإقليمية إخفاءه.








