موقع المجلس:
تشهد إيران كارثة بيئية خطيرة تتعمّق يوماً بعد آخر، إذ تتسع ظاهرة الهبوط الأرضي بشكل ينذر بتهديد مباشر لحياة ملايين السكان، في ظل سياسات النظام التي فشلت في حماية الموارد الطبيعية وأدارت ظهرها للتحذيرات العلمية منذ عقود.
في تصريح لافت صدر يوم الثلاثاء 25 نوفمبر 2025، كشف معتمدي زاده، المتحدث باسم لجنة المادة 90 في برلمان النظام، أن 422 سهلاً من أصل 609 سهول خضعت للدراسة صُنّفت كمناطق “محظورة” أو “محظورة بحرجة” بسبب الهبوط، مقارنة بـ317 سهلاً فقط عام 2013، في قفزة تعكس عمق التدهور.
الأرقام الأكثر صدمة جاءت من العاصمة؛ إذ سجلت طهران أعلى معدل هبوط أرضي في البلاد ببلوغ 31 سنتيمتراً سنوياً، وفق المصدر نفسه. وهو ما يتسق مع تقرير صحيفة “هفت صبح” الحكومية (30 سبتمبر)، الذي أكد أن “إيران تحوز الرقم القياسي العالمي في الهبوط الأرضي”.
لكن الحقائق الرسمية لا تظهر سوى جزء من المأساة. فقد كشفت دراسة أعدتها الباحثة جيسيكا باين من جامعة ليدز البريطانية، اعتماداً على بيانات القمر الصناعي “سنتينل 1” خلال الفترة بين 2014 و2022، عن وجود ما يقرب من 106 مناطق هبوط في إيران تمتد على نحو 31,390 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 2% من مساحة البلاد. وتبيّن الدراسة أن “سرعة الهبوط في إيران من الأعلى عالمياً، مع تسجيل نحو 100 منطقة تتجاوز فيها السرعة 10 ملم سنوياً”، بينما يُعد معدل 8 ملم فقط في أوروبا مؤشراً لمشكلة شديدة الخطورة.
وفي 17 نوفمبر، اعترف أنصاري، نائب رئيس النظام، بأن “30 محافظة في البلاد تواجه تحدي الهبوط الأرضي”، مرجعاً ذلك إلى الاستنزاف الحاد للمياه الجوفية.
ويكشف الخبير الحكومي زارع في تصريح بتاريخ 16 أكتوبر عن السبب الجوهري: “إيران تضم مليون بئر مستغلة حالياً، نصفها غير قانوني، ويتم استخراج المياه الجوفية بوتيرة تفوق قدرتها على التجدد”. أرقام وكالة “تسنيم” الحكومية (نوفمبر 2024) جاءت أكثر فداحة، إذ أشارت إلى وجود 500 ألف بئر غير قانونية تُستخرج منها سنوياً 50 مليار متر مكعب من المياه.
لكن السؤال الحاسم يبقى: من يملك هذه الآبار غير القانونية؟
الإجابات تتحدث بها وثائق النظام نفسه:
في 2010 أقرّ البرلمان قانوناً يشرعن الآبار غير القانونية المحفورة قبل 2006 (إيسنا، يوليو 2017).
في يوليو 2021، وصفت صحيفة “آرمان” “مافيا المياه” بأنها الأقوى والأغنى في البلاد.
عضو البرلمان مختار صرّح بأن “السياسات المائية تُدار وفق مصالح مافيا المياه”.
في سبتمبر 2025، اتهم كلانتري، الرئيس السابق لمنظمة حماية البيئة، شركة “مهاب قدس” بأنها مركز اتخاذ القرار في “مافيا المياه”، لافتاً إلى أن “مقر خاتم الأنبياء” وشركة “سباسد” قضيا على القطاع الخاص لصالح شبكات النفوذ والسمسرة.
وفي نوفمبر 2025، كشف البرلماني رفيعي أن “شبكة صغيرة مكوّنة من عدد محدود من الأشخاص تتحكم في رسم السياسات المائية في البلاد ولا تتغير مع تغيّر الحكومات”.
هذه المعطيات كلها تُظهر أن الهبوط الأرضي ليس مجرد كارثة طبيعية أو أزمة موارد؛ بل هو نتيجة مباشرة لفساد ممنهج وسياسات عبثية منحازة لشبكات النفوذ المرتبطة بهرم السلطة. ومع استمرار نهب المياه وتدمير البنى البيئية، تتّجه البلاد نحو تهديد وجودي يطال الأمن الاجتماعي والمعيشي لملايين الإيرانيين.








