موقع المجلس:
تواجه إيران كارثة بيئية جديدة تُضاف إلى سجل طويل من الأزمات المتفاقمة، إذ تواصل حرائق هائلة ابتلاع أجزاء واسعة من غابات هيركاني العريقة شمال البلاد، وهي من أقدم الغابات على سطح الأرض. وأفادت وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، نقلاً عن وسائل إعلام تابعة للنظام الإيراني، أن طهران طلبت رسميًا مساعدة دول أجنبية لاحتواء حريق ضخم أعاد الاشتعال بقوة أكبر بعد أسابيع من نشوبه الأول.

شلل يمتد إلى أكثر من 20 محافظة: تعطيل قسري يكشف هشاشة البنية التحتية
تزامنًا مع اتساع الحرائق، أعلنت حكومة بزشكيان للمرة چندم طی هفتههای اخیر عن تعطيل الأجهزة الحكومية والبنوك والمدارس في أكثر من 20 محافظة، بسبب انهيار شبكات الكهرباء والمياه نتيجة عقود من السياسات التخريبية التي استنزفت الموارد الطبيعية ودمّرت البنية التحتية. هذا الشلل المستمر يعكس عمق التدهور الإداري والاقتصادي الذي تعيشه البلاد.
قيمة بيئية لا تُعوض
تمتد غابات هيركاني لمسافة تقارب 1000 كيلومتر على طول الساحل الجنوبي لبحر قزوين حتى حدود أذربيجان، وقد أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2019 بفضل تاريخها الذي يتراوح بين 25 و50 مليون سنة، وثرائها البيولوجي الذي يضم أكثر من 3200 نوع نباتي. وتؤكد اليونسكو أن هذه الغابات تحتوي على مجموعة نادرة من الأشجار المتوطنة، وتشكل مأوى للعديد من الأنواع المهددة بالانقراض.
سوء الإدارة… الوقود الحقيقي للنيران
ورغم تبرير السلطات صعوبة إخماد الحريق بالجفاف غير المسبوق منذ ستة عقود، كما صرّح حسين علي محمدي مدير إدارة الأزمات في مازندران، إلا أن الجفاف ليس سوى عامل مساعد. فالمشكلة الأساسية تكمن في الإدارة الفاشلة والفساد المؤسسي الذي ينخر النظام منذ عقود.
طلب المساعدة الأجنبية نفسه يُعد اعترافًا واضحًا بالعجز، ويشير منتقدو النظام إلى عدة أسباب جوهرية وراء تفاقم الكارثة:
غياب تجهيزات مكافحة الحرائق: لم تستثمر الحكومة في طائرات الإطفاء الحديثة أو تدريب فرق مختصة، رغم تكرار الحرائق سنويًا، مفضلة توجيه الميزانيات الضخمة إلى المشاريع العسكرية والميليشيات الخارجية.
مافيا الأخشاب والاستيلاء على الأراضي: تقارير عديدة تتهم جهات نافذة، بينها عناصر من الحرس، بالتواطؤ مع شبكات غير قانونية لقطع الأشجار وإشعال الحرائق عمدًا لتسهيل السيطرة على الأراضي وتحويلها لمشاريع استثمارية خاصة.
سياسات بيئية مدمرة: سوء إدارة الموارد المائية، وبناء السدود بشكل عشوائي، وتجفيف البحيرات مثل أورمية، كلها ممارسات عمّقت الجفاف والتصحر، وجعلت الغابات أكثر هشاشة أمام الحرائق.
موجة احتجاجات تكشف عمق الغضب الشعبي
وفي خضم هذه الكوارث، شهدت مدن عدة يوم الاثنين 8 سبتمبر 2025، من طهران إلى كردستان وأصفهان ومازندران، احتجاجات واسعة ضد الفساد والانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات، في مشهد يعكس حجم التوتر المتصاعد ورفض المواطنين لهذه السياسات المدمرة.
نظام يحرق الأرض والإنسان
إن ما تتعرض له غابات هيركاني ليس disaster “كوارث طبيعية” فحسب، بل جريمة بيئية كاملة الأركان، يتحمل مسؤوليتها نظام ينشغل بتثبيت سلطته على حساب الوطن وموارده ومستقبل أجياله.
فبينما تستغيث أشجارٌ يعود تاريخها لملايين السنين، يواصل النظام سياسة الهدر والتدمير التي لم تترك مجالًا لمقومات الحياة، ولا لبيئة البلاد التي تتهاوى تحت وطأة الإهمال والفساد.
طلب المساعدة الدولية اليوم ليس مظهر ضعف عابر، بل دليل جديد على أن النظام ذاته أصبح عبئًا على الأرض التي يحكمها، عاجزًا حتى عن حماية إرث طبيعي عالمي لا يتكرر.








