صور للاحتجاجات في ایران-
موقع المجلس:
مهما تعددت انشغالات “غرفة التفكير” التابعة لنظام الملالي، فإنها تخرج دائماً إلى السطح عبر تصريحات المسؤولين وتقارير الخبراء ووسائل الإعلام الحكومية. غير أن هذا البعد الظاهر ليس إلا انعكاساً لجوهر أعمق: ما الذي يثير هذا القلق المستمر داخل بنية الحكم ويضع الأجهزة الأمنية في حالة “استنفار عصبي” دائم؟

المنشأ الحقيقي لهذا القلق هو العلاقة المتوترة بين المجتمع والنظام. إنها علاقة غير مستقرة تتراكم فيها الاحتقانات الظاهرة والمستترة. وكلما اتسعت الهوة بين مطالب الناس وطبيعة النظام المغلقة، ارتفع منسوب التحذيرات الحكومية. وحتى الإعلام الرسمي، رغم دوره في التغطية والتشويه، لم يعد قادراً على إخفاء الاضطراب الذي يتحرك تحت أقدام السلطة.
التضخم المنفلت: حياة الإيرانيين على حافة الانفجار
في اعتراف رسمي يعكس عمق الانهيار الاقتصادي، أعلن مركز الإحصاء الحكومي أن معدل التضخم السنوي في أكتوبر بلغ 48.6%. ويؤكد كثير من الخبراء أن الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير. فهذا المؤشر ليس مجرد رقم اقتصادي، بل أحد أهم عوامل الغضب الشعبي الذي يقترب من لحظته الحاسمة.
خلال الأسابيع الأخيرة، أصبح “الانفجار الاجتماعي المحتمل” هاجساً رئيسياً للنظام. ولم يعد الحديث عن هذا الخطر يأتي من المعارضة أو الشارع، بل من داخل الأوساط الرسمية نفسها، أي من المؤسسات التي يحاول النظام عبرها “تطبيع” الأزمات وإنكارها.
ويُعدّ تصريح محمد حسين عادلي، الرئيس الأسبق للبنك المركزي، في 13 نوفمبر 2025، أحد أوضح الاعترافات حتى الآن. إذ قال عبر التلفزيون الرسمي:
«حتى لو كان لديكم 80 ألف عنصر أمني… لا شيء. حتى لو كان العدد 800 ألف، سيحدث التمرد. وإذا تزامنت معه عوامل أخرى أو اندلعت حرب، فلن يكون واضحاً كيف ستسيطرون على الوضع».
هذا الاعتراف ليس مجرد ملاحظة اقتصادية، بل تقدير استراتيجي ينبّه إلى نقطة “انعدام جدوى القمع”. فالنظام يدرك أن المجتمع يتحرك تدريجياً نحو تجاوز حاجز الخوف، وأن أدوات السيطرة الأمنية لم تعد ضمانة للاستقرار.
التضخم كسلاح بيد الطبقة الحاكمة
يكشف خبراء اقتصاديون – ومنهم محمود جامساز – أن التضخم لم يعد مجرد نتيجة لسياسات خاطئة، بل أصبح أداة مقصودة للنهب المنهجي. فالارتفاع المستمر للأسعار يخدم مراكز القوة الاقتصادية، بينما ينهك المجتمع ويعمّق الفقر ويزيد من هشاشة البنية الاجتماعية.
وهذا يفسّر سبب تجنّب النظام معالجة جذور الأزمة الاقتصادية: فالتضخم، رغم كلفته على المجتمع، يُبقي الموارد في يد الطبقة الحاكمة.
مرحلة ما قبل التحوّل: نحو وعي جماعي متبلور
لم تعد الفجوة بين النظام والمجتمع مقتصرة على الوضع المعيشي؛ فقد تحولت إلى استياء متعدد الأبعاد—سياسي، واقتصادي، وثقافي، وبين الأجيال. ومن الواضح أن الاحتجاجات باتت تنتقل من حالات متفرقة إلى حالة وعي جماعي يتشكل على مستوى البلاد.
وتزايد الاعترافات الرسمية بحجم الأزمة هو بذاته مؤشر على أن النظام لم يعد قادراً على إنكار «التحول الكبير» الذي يقترب تدريجياً.
الأفق القادم: هشاشة متصاعدة ونقطة انفجار محتملة
يشير هذا المناخ إلى مستقبل يتّسم بأمرين أساسيين:
تفاقم هشاشة النظام نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
تراكم السخط الشعبي الذي قد يصل إلى حد الانفجار بمجرد وقوع محفّز طارئ، سواء كان أزمة اقتصادية جديدة أو صراعاً إقليمياً أو حدثاً داخلياً غير متوقّع.
ويبدو أن النظام يدرك ذلك تماماً؛ ولهذا يرتفع صوت القلق من داخله أكثر من أي وقت مضى.
فالمرحلة المقبلة لن تتحدد بإرادة الدعاية الحكومية، بل بإرادة الأغلبية الاجتماعية، وبقدرة صانعي الانتفاضة ووحدات المقاومة على مواصلة الضغط لتقرير مصيرهم بأنفسهم.








