موقع المجلس:
تكشف متابعة دقيقة للصحف الحكومية الصادرة يوم الخميس 13 نوفمبر 2025 صورة شديدة الوضوح عن “مأزق شامل” يعيشه النظام الإيراني. فعلى الرغم من الجهد الدعائي المنسّق لتلميع بعض الشخصيات—وفي مقدمتها محمد باقر قاليباف—بوصفه ممثلاً لـ “العقلانية الثورية” في مقابل “حكومة ضعيفة” بقيادة بزشكيان، تتفجر صفحات صحف أخرى باعترافات صريحة حول الانهيار الإداري، وعمق كارثة المياه، وتشابك ملفات الفساد، والاحتقان الاجتماعي الذي تجسد مؤخراً في مأساة “أحمد بالدي” في الأهواز.
هذا التناقض الصارخ لا يعكس تعددية إعلامية، بل تجاذباً محموماً بين زمر الحكم، يحاول فيه كل طرف تحميل الآخر مسؤولية الانهيار. وفي المحصلة، تكشف جميع الأجنحة—بقصد أو دون قصد—حقيقة واحدة: النظام وصل إلى حالة انسداد هيكلي كامل.
صراع السلطة: “الوفاق انتهى” والدولة “غير قابلة للإدارة”
حاولت صحيفة خراسان الحكومية تخصيص حملتها لتقديم قاليباف كـ “خيار ثالث” قادر على موازنة المشهد بين “الإصلاحيين الراديكاليين” و”المتشددين”، وأنه يمثل “الكفاءة” في مواجهة حكومة “عاجزة”.
لكن صحفاً أخرى أسقطت القناع:
هم ميهن أعلنت بوضوح: “الوفاق مات”، ووصفت حكومة بزشكيان بأنها مجرد “تابع للهيكل” (أي الولي الفقيه)، وأنها ستنهار تحت ثقل الأزمات التي ورثتها.
جهان صنعت لخصت الأزمة بعبارة واحدة: “النظام غير قابل للإدارة”.
الرئيس بزشكيان يعترف بأن المسؤولين “لا يستطيعون العمل معاً دون تدخل الولي الفقيه”، أي أن السلطة الحقيقية لا تتحمل المسؤولية، والحكومة تتحملها لكنها بلا قدرة تنفيذية.
محمد خاتمي اشتكى من “إغلاق نوافذ الأمل” وهيمنة “المؤسسات المعينة” على القرار.
بهذه الشهادات، يتبدى جوهر الأزمة: انفصال تام بين السلطة والمسؤولية.
دوامة الفساد: من بابك زنجاني إلى “أجنحة المسؤولين”
الفساد ليس ملفاً ماضياً في إيران، بل هو بنية حاكمة:
كيهان هاجمت حكومة روحاني سابقاً بزعم “تبديد 12 مليار دولار” في ملف البنزين.
موقع چند ثانيه نقل عن جواد إمام أن بابك زنجاني لا يزال يتمتع بحماية مؤسسات عليا ويواصل أنشطته بعد خروجه من السجن.
تابناك كشف عن شراء دوائر حكومية مساحات شاسعة في شمال إيران وتحويلها إلى “أجنحة خاصة” للمسؤولين في وقت تتذرع فيه السلطة بـ “عجز الموازنة”.
انتخاب نقل عن فلاحت بيشه انتقاداته اللاذعة لـ “شبكات بيع النفط خارج القنوات الرسمية” وتحول “بعض المؤسسات الدينية” إلى “متاجر مالية” تبتلع المليارات—مستشهداً بمؤسسة أنفقت “1000 مليار تومان لإعلان إسلام عامل واحد غير ياباني خلال 6 سنوات”!
هذه العينات تكشف أن الفساد مؤسسي وممتد ومتجدد.
كارثة المياه ونار المجتمع تحت الرماد
1. انفجار الأزمة المائية
خصصت صحف مثل شرق وخبرآنلاين وبهارنيوز ملفات عن “الكارثة المائية الوطنية”:
80% من الأزمة ناتجة عن سوء إدارة بشري وليس الجفاف.
19 سداً كبيراً وصلت إلى “موت كامل” حيث سعتها أقل من 5%.
حل أزمة مياه طهران “وصل إلى طريق مسدود” سياسياً واقتصادياً.
أخطر الأخطاء الاستراتيجية:
الإصرار على اقتصاد قائم على الزراعة والمياه (مثل صناعة الفولاذ في الصحراء)، بدلاً من إعادة توزيع السكان حول مصادر المياه.
2. الانفجار الاجتماعي: أحمد بالدي نموذجاً
نشرت هم ميهن تقريراً صادماً عن إحراق الشاب “أحمد بالدي” لنفسه في الأهواز، وربطت الحادث مباشرة بالفقر والظلم.
آرمان امروز حذرت من “هوة عميقة بين الشباب والسلطة التقليدية”، بينما كشفت هم ميهن الاقتصادي دخول البلاد في تضخّم ركودي ينهش ما تبقى من الاقتصاد.
هذه التقارير تُظهر مجتمعاً يغلي تحت ضغط اقتصادي—اجتماعي غير مسبوق.
استراتيجية النظام: إنكار الأزمات وافتعال معارك أيديولوجية
1. الهروب إلى خطاب المؤامرة
بدلاً من مناقشة الفساد أو الماء أو الاستياء الشعبي، ركزت صحيفة كيهان على “الحجاب” و”الغزو الثقافي”، معتبرة أن “كشف الحجاب مشروع العدو لإسقاط بنية النظام”، ومقرّة بأن انتفاضة 2022 كانت جزءاً من هذا “الهجوم”.
2. التهديد بالقمع
نقلت وكالة ميزان أوامر إيجئي للمدعين العامين بضرورة “الاعتزاز بالقدرة على تحديد العملاء الداخليين للعدو وقمعهم”.
قناة شبكه خبر رسمت قائمة كاملة لـ “أعداء النظام”، في رسالة واضحة: القمع هو الرد الوحيد.
الخلاصة
تعكس الصحافة الحكومية صورة نظام محاصر من كل الاتجاهات:
صراع داخلي يمزّق أجنحة السلطة
فساد بنيوي لا يمكن التكتم عليه
انهيار مائي واقتصادي يضرب البنية الحيوية للدولة
مجتمع يغلي ويقترب من الانفجار
سلطة رسمية تردّ بصناعة أعداء افتراضيين وتهديدات أمنية
إنه باختصار مأزق وجودي يكشف نظاماً يتآكل من الداخل، فيما يحاول كل جناح النجاة عبر كشف عيوب الآخر، لتظهر الحقيقة المفزعة: لا أحد قادر على إنقاذ النظام من نفسه.








