موقع المجلس:
تغرق وسائل الإعلام الإيرانية، سواء كانت رسمية أو شبه رسمية، في سيلٍ لا ينتهي من الأخبار المرتبطة بالأزمات الاجتماعية والإنسانية. هذه الأزمات لا تتوقف عند حد، بل تتسع رقعتها وتزداد تعقيداً يوماً بعد آخر. غير أن السؤال الجوهري هو: ما الأثر الفعلي لهذه الأزمات على المجتمع؟ وأين يكمن الخراب الذي خلّفته سياسات النظام القائم على مدى 46 عاماً؟

إن الأزمات الاقتصادية المتكررة، وارتفاع الأسعار الجنوني، وانتشار ثقافة الإعدام، والقمع الممنهج للنساء، وتفكك الروابط الأسرية، ونزيف العقول إلى الخارج، وانسداد الأفق أمام الشباب في تأمين أساسيات الحياة من سكن ودواء وفرص عمل، كلها عوامل خلّفت جراحاً نفسية عميقة. ومع ذلك، يتجنب النظام مواجهة هذه الحقائق، مكتفياً بتقديم أرقام سطحية لا تقترب من جذور المأساة.
إحصائيات تكشف وتُضلل
في محاولة لتناول هذه القضايا، نشرت صحيفة آرمان امروز الحكومية في الأول من أكتوبر 2025 تقريراً بعنوان: “25% من الإيرانيين يعانون اضطرابات نفسية”. التقرير، المبني على أحدث مسح وطني للصحة النفسية، أظهر ما يلي:
ارتفاع نسبة المصابين باضطراب نفسي واحد على الأقل من 23.6% عام 2011 إلى 25.1% حالياً.
الاكتئاب هو الاضطراب الأكثر انتشاراً بنسبة 13.7%.
ومع أن هذه الأرقام تمثل في جوهرها اعترافاً بالكارثة، فإن النظام لجأ إلى تبريرات واهية؛ إذ نقل التقرير عن مسؤول في وزارة الصحة أن “أزمات الجوار والحروب الإقليمية” قد تكون عاملاً إضافياً لزيادة القلق والاكتئاب. بذلك يتهرب النظام من مسؤوليته المباشرة ويلقي باللوم على عوامل خارجية.
تدمير مقصود للبنية العلاجية
التقرير نفسه أشار إلى “عجز كبير في البنية التحتية للطب النفسي”، لكنه لم يوضح أسبابه. الواقع أن هذا النقص نابع من غياب الأولويات الوطنية، حيث تُوجّه الموارد إلى تمويل الإرهاب والميليشيات خارج الحدود بدلاً من تطوير النظام الصحي.
فإيران لا تملك سوى نحو 11 ألف سرير في مستشفيات الطب النفسي، بينما تمتلك بريطانيا – الأقل سكاناً – أكثر من ضعف هذا العدد. والنتيجة: محافظات كاملة تفتقر إلى أقسام متخصصة، ما يدفع المرضى إلى قوائم انتظار طويلة ويضاعف معاناة أسرهم. إنه إهمال متعمد يعكس طبيعة النظام.
وراء الأرقام.. الوجه الحقيقي لإيران
على مدى 46 عاماً، خلّف القمع والنهب والكذب والدجل الديني وتدمير البيئة وتصدير الإرهاب جروحاً غائرة في المجتمع الإيراني. ومع ذلك، فإن “إيران الحقيقية” ليست كما يحاول النظام تصويرها.
في الشوارع والسجون، تستمر الاحتجاجات والإضرابات.
الشعب يرفض شرعية النظام عبر مقاطعة مسرحياته الانتخابية.
النساء والفتيات يتقدمن الصفوف في مواجهة الرجعية والاستبداد.
الأجيال الشابة تستعد للحظة الانفجار الكبير والتغيير.
أغلبية واسعة تطالب بإسقاط النظام من جذوره.
هذه هي إيران الحقيقية: أمة حيّة تقاوم من أجل الحرية، مؤمنة أن طريق الخلاص لا يمر عبر إصلاح النظام، بل عبر اقتلاعه بالكامل.








