“سرقوا طفولتي!! ـ حينما عند مفترق الطرق – بدلاً من أن أغني الأناشيد – غنيتُ حزن الخبز…”
بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال حیث يمثل اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال (12 يونيو) تذكيراً عالمياً بمسؤوليتنا الجماعية تجاه الصرخات الصامتة لملايين الأطفال حول العالم، الذين لا ترتبط حياتهم بالأحلام، بل بنبش القمامة، والإنهاك، والإهانة، والخوف. في إيران، تحت حكم الملالي، يقع ملايين الأطفال ضحايا للفقر الممنهج، وغياب القانون، والاستغلال الصارخ؛ ضحايا ليس فقط للمصاعب الأسرية، بل أيضاً لهيكل متعمد من الإنكار والظلم والتربح من قبل النظام.
يقدم هذا التقرير صورة موثقة ومنهجية لأزمة عمالة الأطفال في إيران، استناداً إلى شهادات مباشرة، وبيانات إحصائية موثوقة، وتحليل قانوني، وفحص مباشر للالتزامات المنتهكة. يهدف التقرير إلى رفع مستوى الوعي وتعبئة الرأي العام والمؤسسات الحقوقية لوقف هذه الدورة المزمنة من الاستغلال.
1. حجم الكارثة: إحصاءات رسمية وتستر هيكلي
وفقاً لمنظمة العمل الدولية (ILO)، تُعرَّف “عمالة الأطفال” بأنها العمل الذي يحرم الأطفال من طفولتهم وإمكانياتهم وحقوقهم الأساسية، ويلحق الضرر بنموهم الجسدي والعقلي والاجتماعي.
التقرير الرسمي لمركز أبحاث البرلمان الإيراني (يوليو 2023) يحدد ما يقرب من 15% من أطفال البلاد – أي ما يعادل 1.6 إلى 2 مليون طفل – كعمال أطفال. لكن وفقاً لتقرير لوكالة “تسنيم” للأنباء (التابعة لحرس النظام الإيراني) في 5 أكتوبر 2017، قدرت ناهيد تاج الدين، التي كانت آنذاك نائبة في البرلمان عن أصفهان، عدد الأطفال العاملين في إيران بما يتراوح بين 3 و7 ملايين، مؤكدة أنه “بسبب عدم وجود سجلات هوية لمعظم الأطفال العاملين، لا يمكن تقديم إحصاءات دقيقة”.

وعلى الرغم من جهود مؤسسات النظام لتقليص الأرقام، تشير التقارير الميدانية إلى أن العدد أعلى بكثير، خاصة في المناطق الفقيرة والمهمشة. ومع الارتفاع المتواصل في معدلات الفقر في السنوات الأخيرة، من المرجح أن يكون العدد الفعلي للأطفال العاملين في إيران أكبر بكثير مما هو معلن.
2. أنواع الأعمال الشاقة: من الشوارع إلى الورش السرية
تمتد ظاهرة عمالة الأطفال في إيران لتشمل مجموعة واسعة ومتنوعة من الأنشطة، التي غالباً ما تكون خطرة وغير قانونية وغير منظمة:
العمل في الشوارع: البيع المتجول، بيع الزهور والجوارب، غسيل السيارات، التسول.
الورشات السرية (تحت الأرض): صناعة الزجاج، تشكيل المعادن، صناعة الطوب، حياكة السجاد، إنتاج الحقائب والأحذية.
نبش القمامة: أحد أخطر أشكال عمالة الأطفال وأكثرها انتشاراً.
العمل المنزلي: رعاية الأطفال وكبار السن، والطبخ.
العتالة (الكولبري): في المناطق الكردية بشكل أساسي.
تهريب المخدرات والتورط في شبكات إجرامية: وثقت حالات عديدة في هذا المجال.
3. التركيبة العمرية والجنسانية للعمال الأطفال
وفقاً لبيانات وزارة العمل الإيرانية:
الفئات العمرية:
1% بين 3 و7 سنوات.
45% بين 8 و13 سنة.
54% بين 14 و17 سنة.
الجنس:
84% من الذكور.
16% من الإناث.
ومع ذلك، في الأعمال المخفية والمنزلية مثل التنظيف، تكون نسبة الفتيات أعلى، ودرجة تعرضهن للخطر أكبر.
4. الأضرار المدمرة: جسدية، نفسية، اجتماعية، وجنسانية
الأضرار الجسدية والصحية:
حروق دائمة من العمل بالمواد المنصهرة (مثل صناعة الزجاج).
أمراض مزمنة مثل آلام المفاصل، ومشاكل العمود الفقري، والتهابات الجهاز التنفسي.
سوء تغذية حاد (يعاني 21% من الأطفال العاملين من سوء التغذية، بحسب التقارير).
عدم الحصول على اللقاحات أو الرعاية الصحية الأساسية.
الأضرار النفسية والهوياتية:
عدم ثقة مزمن، اكتئاب، قلق.
فقدان الهوية الشخصية والاجتماعية.
صدمات نفسية ناتجة عن الإهانة والإيذاء اللفظي والعمل القسري.
الأضرار الاجتماعية والأخلاقية:
الاستغلال الاقتصادي والجنسي.
الإدمان على المخدرات للتكيف مع ظروف العمل.
التسرب من المدارس (أكثر من 48% خارج النظام التعليمي).
التورط غير الطوعي في أنشطة إجرامية.
العنف القائم على النوع الاجتماعي:
وفقاً لإحصاءات عام 2024، تعرضت أكثر من 60% من الفتيات العاملات في الشوارع للاعتداء الجنسي.
5. شهادات حية من قلب المعاناة
“الثمن الباهظ للأجساد الصغيرة” – تقرير صحيفة “شرق” (2023)
يعاني الأطفال في ورش صناعة الزجاج في “شهر ري” من حروق بليغة من المواد المنصهرة: حسين (10 سنوات) وأحمد (9 سنوات)، بوجوه مشوهة وأيدٍ جريحة، محرومون من التعليم والهوية.
قال طفل مصاب بحروق بالغة: “ينسكب على جلدك مثل المربى… ثم كل ما يمكنك قوله هو آخ، آخ، آخ…”
تكشف هذه الروايات عن أطفال يتعرضون بشكل منهجي لتعذيب جسدي جراء العمل الخطر، دون رقابة أو تأمين أو أجور تكفي حتى لوجبة طعام دافئة واحدة.
هادي (10 سنوات): “لا نذهب إلى المدرسة… ليس لدينا وقت… وليس لدينا شهادات ميلاد… نحصل على 100 ألف تومان في الأسبوع”.
مسعود (16 سنة): “بعض الأطفال فقدوا بصرهم… الصغار يعملون بجهد أكبر”.
مهشيد (14 سنة): بائعة جوارب في الشارع تواجه التحرش الجنسي.
زهراء (8 سنوات): بائعة زهور في المترو، تطاردها شرطة البلدية.
كلثوم (10 سنوات): تعاني من غثيان مستمر بسبب العمل في مساحات المترو المغلقة.
6. الجذور الحقيقية: فقر هيكلي من صنع النظام
الفقر هو المحرك الأساسي لدورة عمالة الأطفال. لكن هذا الفقر ليس ظاهرة طبيعية، بل هو نتاج سياسات اقتصادية فاشلة، وتمييز هيكلي، وتفكيك لأنظمة الدعم. وفقاً لمركز أبحاث البرلمان، يعيش أكثر من 80% من سكان إيران تحت خط الفقر. تضطر العديد من الأسر، خاصة في المناطق المهمشة والريفية، إلى إرسال أطفالها للعمل من أجل البقاء، مما يؤدي إلى التسرب من المدارس، وحرمان الأطفال من تنمية المهارات، واستمرار البطالة والفقر حتى مرحلة البلوغ، لتتكرر الدورة المفرغة عبر الأجيال.
7. دور النظام: إنكار، تهميش، واستغلال قانوني
يحظر قانون العمل الإيراني (المادة 79) تشغيل الأطفال دون سن 15 عاماً، لكن يتم تجاهل هذا النص بشكل روتيني. فالورشات التي تضم أقل من 10 عمال، بموجب تعديلات عام 2003، معفاة من هذا القانون، مما يمهد الطريق للاستغلال القانوني للأطفال في آلاف الورشات “العائلية” و”غير الرسمية”.
وبينما صادقت إيران على اتفاقية حقوق الطفل (CRC)، فقد تهربت من تنفيذ بنودها الحاسمة من خلال “تحفظ شرعي”. هذا التحفظ، الذي تم إعلانه عند انضمام إيران للاتفاقية عام 1994، مسجل في السجلات الدولية والمحلية (الرابط لوثيقة الأمم المتحدة: هنا) وينص على ما يلي:
“إذا كان نص الاتفاقية يتعارض أو أصبح يتعارض مع القوانين المحلية والمعايير الإسلامية في أي وقت أو في أي حال، فإن حكومة الجمهورية الإسلامية لن تلتزم به”.
يؤثر هذا التحفظ على مواد أساسية في الاتفاقية، منها:
المادة 32: حظر الاستغلال الاقتصادي.
المادة 19: حظر العنف.
المادة 28: الحق في التعليم.
المادة 36: حظر الاستغلال.
المادة 37: حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية.
8. سياسة التضليل: “تجميل المدن” وإزالة وجه الفقر
بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية، يتعامل النظام مع القضية من منظور “تجميل المدن”، حيث يركز على إزالة الأطفال العاملين من الشوارع.
صرح المحلل الاجتماعي حسني في 9 أغسطس 2023: “المسؤولون لا يرون العتالين الأطفال… لأنهم ليسوا عند التقاطعات ‘يشوهون’ منظر المدينة. إنهم ينظرون إلى الأطفال العاملين كأثاث حضري، وليس كبشر يعانون”.
9. اعترافات من الداخل: فجوة صارخة بين القانون والتطبيق
نشرت وكالة أنباء “إيلنا” الحكومية تقارير تعترف ضمنياً بانتهاكات قوانين عمالة الأطفال:
“ما لا يقل عن 48.7% من الأطفال العاملين هم خارج المدرسة”. (إيلنا – 13 ديسمبر 2023)
“الأطفال العاملون في قمائن الطوب، ونبش القمامة، والورشات يعملون في ظروف شديدة الخطورة وغير منظمة”. (إيلنا – 30 أبريل 2024)
وحتى المصادر الرسمية تعترف أحياناً بهذه الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، ومع ذلك لا يُلاحظ أي إجراء ملموس من المؤسسات المسؤولة.
وقد صرح حسن موسوي تشلك، رئيس جمعية الأخصائيين الاجتماعيين الإيرانيين: “غالبية أطفالنا العاملين هم إيرانيون… أحياناً تهدف تصريحات المسؤولين إلى التضليل، بالادعاء بأنه لا يوجد فقر في إيران وأن هؤلاء الأطفال ليسوا إيرانيين. لكن هذه ليست الحقيقة”. (إيلنا – 9 أغسطس 2023).
خاتمة ودعوة للعمل الحقوقي
إن ظاهرة عمالة الأطفال في إيران ليست نتيجة فقر طبيعي أو ضعف في الرقابة؛ إنها نتاج هيكل متعمد من القمع والحرمان، لا يكون فيه النظام الحاكم متواطئاً فحسب، بل هو المستفيد المباشر. بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال، نطالب بما يلي:
إلغاء تحفظ إيران على اتفاقية حقوق الطفل والتنفيذ الكامل لبنودها.
إيفاد مقرر خاص للأمم المتحدة معني بحقوق الطفل إلى إيران.
فرض رقابة دولية على الورشات الصغيرة والاقتصاد غير الرسمي.
دعم المنظمات غير الحكومية لتوفير التعليم والرعاية الصحية وتسجيل الهوية للأطفال العاملين.
الضغط لإلغاء إعفاءات الورشات التي تضم أقل من 10 عمال من لوائح قانون العمل.








