إياد عبدالجابر: ليس جديداً طرح مسألة التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي، بأشكالها المختلفة بدءًا من التغلغل في مفاصل مؤسسات الدولة العراقية، مروراً بالسعي إلى الهيمنة على مقدرات البلاد الاقتصادية، وصولاً إلى التحكم وامتلاك اليد الطولى في أمنه الداخلي،
بل وفي صناعة القرار السياسي على أعلى مستوياته، من خلال أعوان للنظام باتوا يمثلون أدوات يستطيع تحريكها كيفما يشاء، ووقتما يريد ذلك.
ولا يألوا نظام الملالي جهداً في توظيف إمكانياته المالية واللوجستية في الوصول لغاياته وأهدافه، حيث يبسط يده حتى آخرها ويغدق في العطاء من أموال الشعب الإيراني لشراء أفراد وميليشيات ومؤسسات وحتى أنظمة حاكمة بهدف امتلاك أوراق سياسية ضاغطة، أو لاستخدامها من أجل أن تكون دعامات لتثبيت أركان حكمه ذا الطابع الفريد من نوعه في شموليته.
وتتنوع وسائل نظام ولاية الفقيه في الاستحواذ على أوراق الضغط التي يلعب بها، لا سيما في مجال الإعلام التي أطلق في سبيلها عشرات الأبواق الإعلامية التي تصدح بالثناء عليه، وحمده، وتعداد مناقبه، والتدليس في إبراز سداد رأيه وصواب مقصده، فضلاً عن قيامها بالدور المنوط بها في الشحن السياسي والطائفي، وغيره، لتنتقل إلى شراء ذمم الإعلاميين في وسائل إعلامية غير منضوية بشكل رسمي تحت عباءته واستحكامه المباشر.
يظهر ذلك بشكل واضح بعدما قامت صحف عراقية محلية بنشر إعلانات تتضمن دعوات تحريضية بقتل أو طرد أفراد المعارضة الإيرانية المتواجدة في العراق، والمحصور تواجدها في مخيمي أشرف وليبرتي على الرغم من أن المخيمين يسكنهما اليوم رجال ونساء لاجئون عزّل من السلاح.
ومع أن قضية ساكني المخيمين في طريقها للحل بحسب اتفاق أبرمته الأمم المتحدة مع الحكومة العراقية نهاية العام الماضي، يقضي بترحيلهم وتوطينهم في دول ثالثة بعيداً عن إيران والمنطقة بأسرها، إلا أن النظام الإيراني لا يوفر طريقة لإلحاق الضرر وتوجيه عملائه لممارسة الانتهاك والتضييق والتحريض على سكان المخيمين ما يشير إلى حالة الرعب التي يعيشها هذا النظام بسبب استشعاره للتغيير القادم في إيران بعد أن عصفت رياحه في عواصم عديدة في المنطقة وأدى إلى ما أدى إليه من كنس لأنظمة مستبدة وبالية في طريقه.
ومما يثير الاستغراب والأسف في آن معاً هو انزلاق عدد من الصحف ووسائل الإعلام العراقية في منحدر نظام الملالي، بعد أن تحولت صفحات جرائدها إلى ما يشبه الإعلام “الحزبي التعبوي” المشبوه، بل ولربما لما هو أدهى وأسوأ من ذلك فقد تجاوزت كونها وسائل إعلام لتغدو جزءاً من أدوات النظام المحرضة على القتل والعنف، والتي تمارس الجريمة بشكلها الواضح والمبطن، في الوقت الذي أعلنت فيه عدد من هذه الصحف عن نفسها منذ تأسيسها كصحف مستقلة تتوخى الموضوعية والمهنية في عملها.
لا ندري تحديداً شكل وحجم الإغراءات التي مورست على مالكي هذه الصحف واستطاعت أن “تزغلل” أعينهم لدرجة أن يضحوا بأخلاقيات المهنة، وربما حتى بمستقبلهم الإعلامي، خاصة إذا ما علم هؤلاء بأن للقارئ ذاكرة تراكمية، وتمتلك الشريحة الأكبر منه وعياً يستطيع من خلاله الفرز والتمييز بين الغث والسمين، في حين لن تستطيع هذه الصحف أن تمرر خطاب التحريض الفاشي دون أن يحاكمها قراءها إن لم يكن اليوم فغداً.
بالتأكيد خسرت هذه الصحف احترام القارئ لها، وخسرت أيضا ما هو أكثر من ذلك، مصداقيتها واستقلاليتها، وسجلها من الأخلاقيات والمبادئ، بعد أن حولت منابر الكلمة إلى مفخخات للتصفية والقتل، وكذلك القلم الحر إلى سياط تجلد فيه من يطالبون بحقهم في الحرية والعدل والمساواة.








