ايلاف-سكينة المشيخص: لا يمكن أن يكون تطبيق مبادئ حقوق الإنسان مجتزءا أو مزاجيا على كافة الأصعدة المجتمعية منها والسياسية، أو حتى في السياق الفكري لماهية وطبيعة تلك الحقوق، وحينما يتمتع بعض أفراد المجتمع الدولي بحقوق تمليها تشريعات دولية فذلك يوجب نفاذها وتطبيقها دون أي اشتراطات أو تعاملات سياسية تسعى للتضييق على هؤلاء لمجرد الاختلاف في الفكر أو السياسة، حيث يمكنهم أن يظلوا على قناعاتهم وخياراتهم، وفي نفس الوقت يتمتعون بحقوق الإنسان التي تقرها الاتفاقيات الدولية، وذلك يحدث لكثير من اللاجئين حول العالم.
غير أن اللاجئين في منطقة الشرق الأوسط عموما لا يمكنهم أن يتمتعوا بحق الرفض الفكري
والسياسي بالتزامن مع حقوقهم الإنسانية، في الوقت الذي تخالف فيه كثير من الأنظمة السياسية القوانين الدولية في تعاطيها معهم ولا يتحرك الضمير العالمي كثيرا تجاههم وكأن في الأمر انتقائية، وغير بعيد عنا ما يحدث من إساءات بالغة في مخيم معسكر أشرف بالعراق حيث يوجد كثيرون من المغضوب عليهم إيرانيا، وعراقيا بالوكالة، وقد التزمت أمريكا بحماية مخيمهم، متمتعين باتفاقية جنيف الرابعة التي أقرّت بقصد وضع اتفاقية لحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، ولكنها للأسف تخلت عنهم لاحقا، فقد تركتهم لجماعة المالكي وإيران تنكّل بهم، وتسومهم سوء العذاب.
وقد تفاعل البرلمان الأوروبي مؤخرا مع المنظمة بإقرار بيان تحريري دعا فيه أمريكا الى شطب مجاهدي خلق الإيرانية من قائمة الإرهاب للمنظمات الخارجية، وأصبح ذلك القرار رسميا عندما وقع أكثر من نصف أعضائه (736 عضوا) عليه ولكن الدعم له كان بالإجماع تقريبا، وطالب القرار العراق بأن يلغي الحصار عن مخيم أشرف، وذلك حق منطقي يتكيف مع اتفاقية جنيف الرابعة، أي أن أمام العراق مسؤولية أخلاقية وإنسانية في تحسين ظروف العيش والحياة في المخيم، وليس الانتقاص من الحقوق الأساسية في الحياة والضغط على ساكني المخيم لهداف سياسية لا علاقة لها بممارسة سياسة احترافية مع مستضعفين ولاجئين مدنيين يخالفون العراق وإيران في منهجيهما الفكري والسياسي.
الوضع الإنساني في مخيم معسكر أشرف لا علاقة له بحقوق الإنسان، فساكنوه يتعرضون للإيذاء حتى من العراق، ولكن طالما حكومة المالكي قريبة من إيران فلا بد أن تمارس دورا سلبيا تجاههم، ويكفي للدلالة على ذلك تصريح الفريق الأول الركن بابكر زيباري رئيس أركان الجيش العراقي لموقع "صوت أمريكا" الذي أكد فيه أنه لا يجوز إطلاقا للقوات المسلحة العراقية إيذاء المدنيين والأفراد منزوعي الأسلحة، هؤلاء لاجئون تحت أي ظرف كان ومادام موجودين هناك فهم يتمتعون بحقوق اللجوء، علمًا بأنهم وفي بعض الحالات يتجاهلون قوانين الحكومة العراقية.
وهذا الحديث ينطوي على اختراقات حقوقية ضد أعضاء المنظمة، ولا ينفيه، وإذا كان رئيس أركان الجيش العراقي لا يعلم بذلك، فتلك مشكلة خاصة إذا ما علمنا أن هناك عدم استقرار أمني في العراق، وكثير من الممارسات تتم دون علم السلطات هناك.
في رسالة من البروفيسور ريتشارد رابرتس الحائز على جائز نوبل للطب عام 1993م وجهها إلى هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وجيمز جفري سفير الولايات المتحدة في بغداد دان انتهاك حقوق مجاهدي أشرف قائلا: "على الولايات المتحدة أن تؤكد مرة أخرى على واقع أن سكان مخيم أشرف العزّل هم أفراد محميون بموجب اتفاقية جنيف الرابعة وأن تضمن الحماية الأساسية طبقًا لهذه الاتفاقية بعودة فريق المراقبة التابع ليونامي إلى أشرف كون الولايات المتحدة الأمريكية قد تعهدت في عام 2003 بتولي حمايتهم وفق الاتفاقية المذكورة ولكنها ومع الأسف نكثت عهدها بنقل هذه المهمة إلى القوات العراقية الخاضعة لنفوذ النظام الإرهابي الحاكم في طهران… إني وبصفتي حائزا على جائزة نوبل أود أن أنضم إلى زملائي الآخرين في دعم الحقوق الإنسانية لسكان مخيم أشرف البالغ عددهم 3400 شخص يقيمون في هذا المخيم ويهددهم النظام الإيراني وعملاؤه في العراق".
يقيم في مخيم أشرف 3400 من مدنيي منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة، وظل محاصرا طيلة السنتين الماضيتين بحصار غير إنساني من قبل القوات العراقية التي تتبع لتعليمات رئيس الوزراء نوري المالكي ولذلك فرضت هذه القوات قيودا مشددة على ساكني المخيم منها عرقلة حصول السكان على الخدمات الطبية وحاجاتهم الفورية إلى الأدوية، وحدث أن هاجمت هذه القوات المخيم يومي 28 و29 يوليو 2009م وقتلت 11 شخصا من سكانه وإصابة 500 منهم بجروح، وتوفى عدد من الجرحى بسبب انعدام الرعاية الطبية العلاجية لهم، هناك العشرات من المرضى المصابين بأمراض مستعصية العلاج يواجهون ظروف صعبة في مخيم أشرف، ولذلك فهناك حاجة إنسانية وأخلاقية لأن تتولى القوات الأمريكية الملف الأمني للمخيم مثلما كانت تتولاه في الفترة من 2003 وحتى عام 2008م، لأن هناك التزام أمريكي بذلك، فهي وإن أرادت جلب الديمقراطية الى العراق وتقديم درس سياسي في التعايش السلمي والأخلاقي والإنساني فهذا الدرس لم ينته وإن انتهى الإنسحاب.
إعلامية سعودية








