الحرس الثوري الإيراني ينشر خلاياه في الخليج لمواجهة الضغوط الدوليةعن «السياسة» الكويتية:جاءت جريمة غسل الأموال التي اكتشفتها السلطات البحرينية أخيرًا والتي أعلن أنها تمت لصالح مؤسسة الحرس الثوري الإيراني, كرسالة تحذير تعكس ما يقوم به منذ سنوات لاختراق دول الخليج. فالكشف عن هذه الجريمة وإن حمل مخاوف بعيدة المدى حول النفوذ الإيراني في دول المنطقة إلا أنه لم يمثل مفاجأة غير مسبوقة لما تقوم به إيران وحرسها الثوري من تحركات للتسلل والوصول إلى المراكز المؤثرة سواء الرسمية أوالشعبية في دول الخليج لاستخدام هذا النفوذ في أوقات الأزمات.
فلم تكن هذه الجريمة إلا مجرد صورة من صور التغلغل الإيراني في دول الخليج ومحصلة لمجموعة من المعطيات والتكهنات التي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة دون أن يظهر لها دليل قاطع يؤكد اختراق الحرس الثوري الإيراني لدول الخليج من عدمه.
فقد نمت مؤسسة الحرس الثوري الإيراني بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة وأصبحت تمثل ذراعا مهما لتنفيذ المصالح الإيرانية سواء في الداخل أوالخارج حتى بدت في أحيان كثيرة تعبر عن الدولة بأكملها. فأصبحت تمثل العمود الفقري للسلطة بل أصبحت السلطة الفعلية في طهران حسب تقديرات الدول الغربية. وتحولت إيران إلى ما يشبه الثكنة العسكرية التي يسيطر فيها الحرس الثوري على الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فقد جاءت نشأة هذه المؤسسة في مايوالعام 1979 انطلاقا من الدستور وكمدافع عن الثورة الإسلامية, فالحرس الثوري هوالجيش العقائدي والحرس الوفي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية, ويقول روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن حراس الثورة: "لولم يكن حراس الثورة ما كانت الدولة, إني أوقر الحراس وأحبهم وعيني عليهم, فلقد حافظوا على البلاد عندما لم يستطع أحد. ومازالوا, إنهم مرآة تجسم معاناة هذا الشعب وعزيمته في ساحة المعركة وتاريخ الثورة" (جمهوري إسلامي, في 15/1/1984). وكان الهدف الرئيسي من إنشائه هوجمع القوات العسكرية المختلفة التي نشأت بعد الثورة في بنية مؤسسية واحدة موالية للنظام لحمايته وحماية الثورة الوليدة من الأعداء المحيطين بها, لا سيما الأعداء الداخليين. إذ كانت المخاوف كبيرة لدى رجال الدين من ولاء ضباط الجيش التقليدي الذين لم يشاركوا في الثورة وكانوا ينتمون إلى نظام الشاه السابق, وخشي "الثوار الجدد" من إعلان الجيش انقلابه عليهم وإعادة الشاه إلى الحكم لذلك أمر الخميني في 5 مايوالعام 1979 بتأسيس قوة الحرس الثوري في إيران. وعرف أعضاء الحرس الثوري (أوالباسدران باللغة الفارسية) بحماسهم الديني وولائهم الأعمى للنظام واستعدادهم للدفاع عنه ضد أعداء الداخل والخارج, ما جعلهم موضع تكريم القيادة وتمتعوا بنفوذ كبير على المستوى السياسي والاقتصادي فمعظم المناصب السياسية العليا يتولاها أعضاء سابقون في الحرس الثوري, فرئيس الدولة أحمدي نجاد ووزراء الداخلية والدفاع والنفط والطاقة من الحرس السابقين, فضلا عن عشرات الأعضاء في البرلمان الإيراني وسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني.
قدرات
وتطورت قوات الحرس الثوري وتطورت معه قدراته, حتى وصلت إلى شكلها الحالي, حيث تتكون من خمسة أفرع رئيسية هي: فيلق القدس (الفرع المختص بالعمليات الخارجية), وأسطول الحرس الثوري, والقوات البرية, والقوات الجوية, بالإضافة إلى قوات الباسيج (متطوعي الحرس الثوري), فضلا عن وجود وحدة استخبارات خاضعة لسيطرته بخلاف وزارة الاستخبارات الإيرانية.
وقد استخدمت القيادة الدينية الحرس الثوري للقضاء على الخصوم السياسيين والمجموعات المعارضة, كما كان في طليعة القتال في حرب الخليج الاولى, وبعد انتهاء الحرب تحول عمل الحرس الثوري من التركيز على الأبعاد الأمنية والعسكرية فقط إلى محاولة القيام بمشروعات اقتصادية, بدأت بمشروعات لإعادة الاعمار وتطورت لتشمل شبكة كبيرة من الشركات الاقتصادية في مختلف القطاعات التي تقدر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والبنية التحتية وابتلعت هذه الشركات اقتصاد الدولة. كما ظهر الدور الواضح للحرس الثوري في الانتخابات الإيرانية الأخيرة حيث عملت قوات الحرس على قمع المعارضين ما جعله مستهدفا بالعقوبات المزمع فرضها من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إيران نتيجة الانتهاكات التي شهدتها هذه الانتخابات.
وقد انعكس النموالكبير لقوة ونفوذ الحرس الثوري داخليا على دوره في تنفيذ المصالح الإيرانية في الخارج وخاصة في دول الخليج التي مثلت بؤرة حيوية لتصدير الثورة الإسلامية ونشر التشيع منذ سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران العام 1979, وهي منفذ مهم للتحركات الإيرانية في ظل الحصار الدولي المفروض على إيران. وقد تصاعدت التكهنات الدولية حول توجيه ضربات عسكرية إليها ومخاوف إيران التالية من استخدام الأراضي والقواعد العسكرية الغربية في دول الخليج في توجيه أي ضربات عسكرية لها, ما دفع المرشد الأعلى آية الله على خامنئي إلى اتخاذ قرار في سبتمبر 2008 بتحويل مسؤولية أمن الخليج من قوات البحرية التابعة للجيش الإيراني النظامي, إلى قوات الحرس الثوري الإيراني التي زادت من أنشطتها في دول الخليج مستخدمة مجموعة من الأدوات أهمها الأداة الاقتصادية وتأسيس المشاريع الاستثمارية, ومستندة على مجموعة من العوامل أهمها وجود جماعات شيعية داخل هذه الدول قد تسعى إلى التقارب مع إيران, وتوافد العمالة الإيرانية عليها والتي قد تشمل عناصر من الحرس الثوري, فضلا عن ظهور خلافات بين القوى السياسية في هذه الدول حول إدارة الملفات الإقليمية. بالتزامن مع سعي بعض هذه القوى للتعاون مع إيران وخاصة في ظل قيام تعاون فعلي بين بعض دول الخليج وإيران على أكثر من مستوى في مقدمتها المجالات الاقتصادية, حيث تمثل دول الخليج البوابة الرئيسية للصادرات والواردات الإيرانية ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين حوالي 15 مليار دولار في العام. وإذا أضفنا لهذه العوامل حالة التسامح الأمني في بعض هذه الدول تصبح منطقة الخليج مسرحا مؤهلا لنشاطات وعمليات الحرس الثوري وخاصة في ظل انتشار الفوضى في العراق بعد الغزوالأميركي لها العام 2003 حيث مثل هذا الغزوفرصة ذهبية لتسلل الحرس الثوري إلى داخل منطقة الخليج بصفة عامة وداخل العراق بصفة خاصة, وتحديدا بعد انهيار جهاز الاستخبارات العراقي.
تحذيرات
ويدعم المعطيات السابقة التحذيرات الكثيرة التي أطلقتها بعض الدوائر في الدول الخليجية والغربية خلال الشهور القليلة الماضية, والتي أكدت وجود "خلايا إيرانية نائمة" في الخليج تشمل معسكرات وعملاء لإيران وخاصة في ظل وجود عمالة إيرانية بأعداد كبيرة في بعض دول الخليج مثل الكويت التي يبلغ عدد العمالة الإيرانية بها ما يقرب من 130 ألف عامل. فقد حذر عدد من النواب في البرلمان الكويتي من وجود عناصر من الحرس الثوري مندسة ضمن جموع العمالة الإيرانية الوافدة, وقد أيد هذه التحذيرات ديبلوماسي إيراني منشق في تصريحات له لإحدى الصحف الإماراتية حيث أكد أن إيران تمتلك شبكة من العملاء والخلايا النائمة في دول مجلس التعاون الخليجي مستعدة لزعزعة استقرار هذه الدول اذا ما اقتضت مصالح طهران ذلك.
ومع تصاعد الانتقادات الدولية للملف النووي الإيراني وبروز دور واضح للحرس الثورى فى إعادة انتخاب الرئيس المحافظ احمدي نجاد في يونيوالماضي مع دور أكبر في إخماد الاضطرابات التي شهدها الشارع الإيراني عقب الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات, بل والتأكيدات الغربية التي تشير إلى سيطرة الحرس الثوري الإيراني على برنامج نووي سري, سلطت الكثير من الدوائر الغربية الأضواء على المكانة التي تحتلها مؤسسة الحرس الثوري في بنية النظام في إيران وكيف تؤثر هذه المؤسسة على السلطة, بل إن بعض هذه الدوائر اعتبرت مؤسسة الحرس الثوري هي السلطة الفعلية في طهران. واهتمت هذه الدوائر بمحاولة رصد تحركات الحرس الثوري وخاصة في دول الجوار الخليجي حيث تضم هذه المنطقة مجموعة من المصالح الغربية الحيوية كما أنها تمثل منفذا مهما يخفف من الضغوط الدولية المفروضة على إيران وخاصة في ظل حالة الحصار والعقوبات المحتملة التي تلوح بها الأمم المتحدة والولايات المتحدة نتيجة للانتهاكات الأمنية والإنسانية التي شهدتها الانتخابات الأخيرة.
وقد زاد من المخاوف الغربية حالة الفشل التي منيت بها إيران في اليمن, وعدم قدرتها على تصعيد الصراع بين الحكومة اليمنية من ناحية والحوثيين وتنظيم القاعدة من ناحية أخرى, بل وفشلها في توسيع هذا الصراع ليشمل المملكة العربية السعودية للزج بالمنطقة إلى هاوية صراع أكبر, لذلك اهتمت الدوائر الغربية بمتابعة مساعي الحرس الثوري للنفاذ إلى دول الخليج بعد كل هذه التطورات. وقد طرحت هذه الدوائر مجموعة من الاحتمالات والسيناريوهات لما يمكن أن تقوم به مؤسسة الحرس الثوري من عمليات أوتستخدمه من أدوات لزعزعة الاستقرار في منطقة الخليج بما يحقق هدفين حيويين لإيران: أولهما, يتعلق بتحويل أنظار الغرب بعيدا عن مشكلات إيران سواء الداخلية أوالخارجية, وثانيهما محاولة تهديد المصالح الحيوية الغربية في دول الخليج وأهمها المصالح البترولية بما يمثل استعراضاً لقوة إيران.
فقد أوردت المخابرات الأميركية في ديسمبر الماضي معلومات تفيد أن الحرس الثوري الإيراني أصبح يسيطر على العمليات البحرية في الخليج ومضيق هرمز وقد يمنع الوصول إلى هذه المناطق الغنية بالنفط في حال اندلاع الحرب, وأفاد تقرير للبحرية الأميركية نشره موقع "سيكرسي نيوز" الإلكتروني أنه بعد إعادة تنظيم الجهاز العسكري الإيراني في بداية العام 2007 انتقلت مهمة مراقبة هذه المنطقة الستراتيجية إلى الحرس الثوري بعد ما كانت تتولاها البحرية الإيرانية حيث يرى الإيرانيون أن إعادة تنظيم القواعد العسكرية الحالية وإنشاء قواعد جديدة من شأنهما خلق خط دفاعي سيمنع العدومن بلوغ مضيق هرمز والخليج العربي, وبذلك ستوسع إيران من ستراتيجيتها الدفاعية, فمن ناحية هناك القوات البحرية التقليدية التي تسير دوريات في خليج عمان مستعينة بعدد أكبر من السفن الحربية, ومن جهة أخرى يستخدم الحرس الثوري قاعدة جديدة تتيح الانتشار في الخليج العربي ومضيق هرمز, وساندت هذه التحليلات ما أذاعته مصادر ديبلوماسية بريطانية في يناير الماضي عن دور للحرس الثوري في زعزعة الاستقرار في دول الخليج, فقد حذرت هذه المصادر من احتمالات قيام الحرس الثوري الإيراني بالتعاون مع "حزب الله" اللبناني بعدد من الاغتيالات بين شخصيات خليجية فضلا عن استهداف مرافق نفطية وأمنية في دول مجلس التعاون, وأشارت هذه المصادر إلى أن إيران ستقوم بهذه العمليات بمساعدة "حزب الله" وتنظيم القاعدة لفتح جبهات أمنية في دول الخليج, وذلك لصرف أنظار العالم عن أزمة الملف النووي الإيراني وما يحدث من اضطرابات داخلية لديها. ولم تستبعد معلومات المصادر البريطانية احتمالات خوض قوات مسلحة من الحرس الثوري الإيراني لبعض المعارك المباشرة في بعض دول الخليج, إذا تمكنت هذه الدول من القضاء على موجات الإرهاب والتخريب مرة أخرى, على نهج ما نجحت في القيام به المملكة العربية السعودية في السابق, وأكدت هذه المصادر أن دولة البحرين خصوصا قد تكون عرضة لاعتداءات إيرانية عسكرية مباشرة كما حذرت هذه المصادر دولة الإمارات العربية من أن تكون عرضة أيضاً لهذا التهديد.
كما أعلنت الولايات المتحدة في 10 فبراير الماضي تشديد عقوباتها على إيران, مستهدفة بشكل خاص الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات المرتبطة به, فقد اتخذت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات لتجميد أرصدة أحد قادة الحرس الثوري وأربع شركات تابعة له وهذا القائد هورستم قاسمي الجنرال في الحرس الثوري ورئيس شركة " خاتم الأنبياء" التابعة لوحدة الهندسة في الحرس الثوري حيث تتهمه الولايات المتحدة والشراكات التابعة له بالمساهمة في نشر أسلحة الدمار الشامل.
كما أوضحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في جولتها الأخيرة لدول الخليج في فبراير الماضي أن ضغوط الولايات المتحدة على إيران بسبب أزمة ملفها النووي ستستهدف بصفة خاصة الشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني والتي تحل محل حكومة إيران معتبرة أن إيران "تتجه نحوديكتاتورية عسكرية".
تهديدات الأمن
كل هذه المعطيات والتكهنات السابقة تدفع في اتجاه التأكيد على أن اكتشاف جريمة غسيل الأموال التي تمت لصالح الحرس الإيراني لم تحمل مفاجأة كبيرة للدوائر الغربية وخاصة الأميركية والبريطانية ولا للدوائر الخليجية التي تعتبر هذه العملية مهددة لأمن دولها. فقد عملت الدوائر الغربية منذ شهور على رصد تحركات وعمليات الحرس الثوري في دول الخليج بل يمكن القول أن الكشف عن هذه العملية يشكل بداية لحركة تمشيط واسعة تقوم بها أجهزة الاستخبارات الغربية للكشف عن صلات أكبر بين الحرس الثوري وبعض الشخصيات الخليجية أوللكشف عن معاملات تجارية أوغيرها يقوم بها الحرس الثوري للتغطية على اختراقات أمنية وسياسية تستهدف هذه الدول. بما قد يمثل بداية لحرب بين أجهزة الاستخبارات الغربية وقوات الحرس الثوري يكون مسرحها دول الخليج بعد ان أثار النموالسريع في قوة الحرس الثوري فضول الغرب لضربه باعتباره يمثل أقوى أجهزة إيران الدفاعية لاسيما بعد بروز قوة الحرس الثوري من خلال دوره في مواجهة حركة المعارضة المدنية التي قادها المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي بل واستمراره في لعب دور مركزي في المحافظة على بقاء النظام.
تصاعد تأثير قوات الباسيج (التي تبلغ حوالي مليون عضو) على أجهزة صنع القرار, ما حدى ببعض المسؤولين في إيران للمطالبة بدور أكبر للحرس الثوري في صنع القرارات في الوزارات المختلفة, كما زادت الموازنة المخصصة لتمويل قوات الباسيج في العام الماضي بنسبة 200 في المئة, إلى أكثر من 500 مليون دولار, برغم الضائقة المالية الحادة التي تعاني منها البلاد.
كما يبدوأن دول الخليج بدأت تنتبه إلى ما تفكر فيه الجارة الإيرانية من تطلعات لاستخدام أسواق واقتصاديات دول الخليج في غسيل أموالها التي تأتي من بيع المخدرات في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية, بل وفي استخدام أراضيها كممرات لعبور الأسلحة والأموال إلى الموالين لها في المنطقة العربية أو لقوى التمرد والإرهاب المهددة لأمن واستقرار هذه الدول, وتستخدم في الوصول لأهدافها كل أنواع الحيل وتستغل كل الظروف التي تعيشها دول الخليج بل وتستقطب كل من تجد من الرسميين أوغير الرسميين, ولا تهدف في كل ذلك إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أو دعم بعض الجماعات في المنطقة فقط بل تهدف إلى النفوذ والاختراق والوجود بصور مختلفة في دول الخليج حتى تستطيع استغلال هذا النفوذ في أوقات الأزمات.
فقد نمت مؤسسة الحرس الثوري الإيراني بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة وأصبحت تمثل ذراعا مهما لتنفيذ المصالح الإيرانية سواء في الداخل أوالخارج حتى بدت في أحيان كثيرة تعبر عن الدولة بأكملها. فأصبحت تمثل العمود الفقري للسلطة بل أصبحت السلطة الفعلية في طهران حسب تقديرات الدول الغربية. وتحولت إيران إلى ما يشبه الثكنة العسكرية التي يسيطر فيها الحرس الثوري على الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية. فقد جاءت نشأة هذه المؤسسة في مايوالعام 1979 انطلاقا من الدستور وكمدافع عن الثورة الإسلامية, فالحرس الثوري هوالجيش العقائدي والحرس الوفي للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية, ويقول روح الله الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن حراس الثورة: "لولم يكن حراس الثورة ما كانت الدولة, إني أوقر الحراس وأحبهم وعيني عليهم, فلقد حافظوا على البلاد عندما لم يستطع أحد. ومازالوا, إنهم مرآة تجسم معاناة هذا الشعب وعزيمته في ساحة المعركة وتاريخ الثورة" (جمهوري إسلامي, في 15/1/1984). وكان الهدف الرئيسي من إنشائه هوجمع القوات العسكرية المختلفة التي نشأت بعد الثورة في بنية مؤسسية واحدة موالية للنظام لحمايته وحماية الثورة الوليدة من الأعداء المحيطين بها, لا سيما الأعداء الداخليين. إذ كانت المخاوف كبيرة لدى رجال الدين من ولاء ضباط الجيش التقليدي الذين لم يشاركوا في الثورة وكانوا ينتمون إلى نظام الشاه السابق, وخشي "الثوار الجدد" من إعلان الجيش انقلابه عليهم وإعادة الشاه إلى الحكم لذلك أمر الخميني في 5 مايوالعام 1979 بتأسيس قوة الحرس الثوري في إيران. وعرف أعضاء الحرس الثوري (أوالباسدران باللغة الفارسية) بحماسهم الديني وولائهم الأعمى للنظام واستعدادهم للدفاع عنه ضد أعداء الداخل والخارج, ما جعلهم موضع تكريم القيادة وتمتعوا بنفوذ كبير على المستوى السياسي والاقتصادي فمعظم المناصب السياسية العليا يتولاها أعضاء سابقون في الحرس الثوري, فرئيس الدولة أحمدي نجاد ووزراء الداخلية والدفاع والنفط والطاقة من الحرس السابقين, فضلا عن عشرات الأعضاء في البرلمان الإيراني وسكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني.
قدرات
وتطورت قوات الحرس الثوري وتطورت معه قدراته, حتى وصلت إلى شكلها الحالي, حيث تتكون من خمسة أفرع رئيسية هي: فيلق القدس (الفرع المختص بالعمليات الخارجية), وأسطول الحرس الثوري, والقوات البرية, والقوات الجوية, بالإضافة إلى قوات الباسيج (متطوعي الحرس الثوري), فضلا عن وجود وحدة استخبارات خاضعة لسيطرته بخلاف وزارة الاستخبارات الإيرانية.
وقد استخدمت القيادة الدينية الحرس الثوري للقضاء على الخصوم السياسيين والمجموعات المعارضة, كما كان في طليعة القتال في حرب الخليج الاولى, وبعد انتهاء الحرب تحول عمل الحرس الثوري من التركيز على الأبعاد الأمنية والعسكرية فقط إلى محاولة القيام بمشروعات اقتصادية, بدأت بمشروعات لإعادة الاعمار وتطورت لتشمل شبكة كبيرة من الشركات الاقتصادية في مختلف القطاعات التي تقدر بمليارات الدولارات في مجالات النفط والغاز والبنية التحتية وابتلعت هذه الشركات اقتصاد الدولة. كما ظهر الدور الواضح للحرس الثوري في الانتخابات الإيرانية الأخيرة حيث عملت قوات الحرس على قمع المعارضين ما جعله مستهدفا بالعقوبات المزمع فرضها من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إيران نتيجة الانتهاكات التي شهدتها هذه الانتخابات.
وقد انعكس النموالكبير لقوة ونفوذ الحرس الثوري داخليا على دوره في تنفيذ المصالح الإيرانية في الخارج وخاصة في دول الخليج التي مثلت بؤرة حيوية لتصدير الثورة الإسلامية ونشر التشيع منذ سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران العام 1979, وهي منفذ مهم للتحركات الإيرانية في ظل الحصار الدولي المفروض على إيران. وقد تصاعدت التكهنات الدولية حول توجيه ضربات عسكرية إليها ومخاوف إيران التالية من استخدام الأراضي والقواعد العسكرية الغربية في دول الخليج في توجيه أي ضربات عسكرية لها, ما دفع المرشد الأعلى آية الله على خامنئي إلى اتخاذ قرار في سبتمبر 2008 بتحويل مسؤولية أمن الخليج من قوات البحرية التابعة للجيش الإيراني النظامي, إلى قوات الحرس الثوري الإيراني التي زادت من أنشطتها في دول الخليج مستخدمة مجموعة من الأدوات أهمها الأداة الاقتصادية وتأسيس المشاريع الاستثمارية, ومستندة على مجموعة من العوامل أهمها وجود جماعات شيعية داخل هذه الدول قد تسعى إلى التقارب مع إيران, وتوافد العمالة الإيرانية عليها والتي قد تشمل عناصر من الحرس الثوري, فضلا عن ظهور خلافات بين القوى السياسية في هذه الدول حول إدارة الملفات الإقليمية. بالتزامن مع سعي بعض هذه القوى للتعاون مع إيران وخاصة في ظل قيام تعاون فعلي بين بعض دول الخليج وإيران على أكثر من مستوى في مقدمتها المجالات الاقتصادية, حيث تمثل دول الخليج البوابة الرئيسية للصادرات والواردات الإيرانية ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين حوالي 15 مليار دولار في العام. وإذا أضفنا لهذه العوامل حالة التسامح الأمني في بعض هذه الدول تصبح منطقة الخليج مسرحا مؤهلا لنشاطات وعمليات الحرس الثوري وخاصة في ظل انتشار الفوضى في العراق بعد الغزوالأميركي لها العام 2003 حيث مثل هذا الغزوفرصة ذهبية لتسلل الحرس الثوري إلى داخل منطقة الخليج بصفة عامة وداخل العراق بصفة خاصة, وتحديدا بعد انهيار جهاز الاستخبارات العراقي.
تحذيرات
ويدعم المعطيات السابقة التحذيرات الكثيرة التي أطلقتها بعض الدوائر في الدول الخليجية والغربية خلال الشهور القليلة الماضية, والتي أكدت وجود "خلايا إيرانية نائمة" في الخليج تشمل معسكرات وعملاء لإيران وخاصة في ظل وجود عمالة إيرانية بأعداد كبيرة في بعض دول الخليج مثل الكويت التي يبلغ عدد العمالة الإيرانية بها ما يقرب من 130 ألف عامل. فقد حذر عدد من النواب في البرلمان الكويتي من وجود عناصر من الحرس الثوري مندسة ضمن جموع العمالة الإيرانية الوافدة, وقد أيد هذه التحذيرات ديبلوماسي إيراني منشق في تصريحات له لإحدى الصحف الإماراتية حيث أكد أن إيران تمتلك شبكة من العملاء والخلايا النائمة في دول مجلس التعاون الخليجي مستعدة لزعزعة استقرار هذه الدول اذا ما اقتضت مصالح طهران ذلك.
ومع تصاعد الانتقادات الدولية للملف النووي الإيراني وبروز دور واضح للحرس الثورى فى إعادة انتخاب الرئيس المحافظ احمدي نجاد في يونيوالماضي مع دور أكبر في إخماد الاضطرابات التي شهدها الشارع الإيراني عقب الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات, بل والتأكيدات الغربية التي تشير إلى سيطرة الحرس الثوري الإيراني على برنامج نووي سري, سلطت الكثير من الدوائر الغربية الأضواء على المكانة التي تحتلها مؤسسة الحرس الثوري في بنية النظام في إيران وكيف تؤثر هذه المؤسسة على السلطة, بل إن بعض هذه الدوائر اعتبرت مؤسسة الحرس الثوري هي السلطة الفعلية في طهران. واهتمت هذه الدوائر بمحاولة رصد تحركات الحرس الثوري وخاصة في دول الجوار الخليجي حيث تضم هذه المنطقة مجموعة من المصالح الغربية الحيوية كما أنها تمثل منفذا مهما يخفف من الضغوط الدولية المفروضة على إيران وخاصة في ظل حالة الحصار والعقوبات المحتملة التي تلوح بها الأمم المتحدة والولايات المتحدة نتيجة للانتهاكات الأمنية والإنسانية التي شهدتها الانتخابات الأخيرة.
وقد زاد من المخاوف الغربية حالة الفشل التي منيت بها إيران في اليمن, وعدم قدرتها على تصعيد الصراع بين الحكومة اليمنية من ناحية والحوثيين وتنظيم القاعدة من ناحية أخرى, بل وفشلها في توسيع هذا الصراع ليشمل المملكة العربية السعودية للزج بالمنطقة إلى هاوية صراع أكبر, لذلك اهتمت الدوائر الغربية بمتابعة مساعي الحرس الثوري للنفاذ إلى دول الخليج بعد كل هذه التطورات. وقد طرحت هذه الدوائر مجموعة من الاحتمالات والسيناريوهات لما يمكن أن تقوم به مؤسسة الحرس الثوري من عمليات أوتستخدمه من أدوات لزعزعة الاستقرار في منطقة الخليج بما يحقق هدفين حيويين لإيران: أولهما, يتعلق بتحويل أنظار الغرب بعيدا عن مشكلات إيران سواء الداخلية أوالخارجية, وثانيهما محاولة تهديد المصالح الحيوية الغربية في دول الخليج وأهمها المصالح البترولية بما يمثل استعراضاً لقوة إيران.
فقد أوردت المخابرات الأميركية في ديسمبر الماضي معلومات تفيد أن الحرس الثوري الإيراني أصبح يسيطر على العمليات البحرية في الخليج ومضيق هرمز وقد يمنع الوصول إلى هذه المناطق الغنية بالنفط في حال اندلاع الحرب, وأفاد تقرير للبحرية الأميركية نشره موقع "سيكرسي نيوز" الإلكتروني أنه بعد إعادة تنظيم الجهاز العسكري الإيراني في بداية العام 2007 انتقلت مهمة مراقبة هذه المنطقة الستراتيجية إلى الحرس الثوري بعد ما كانت تتولاها البحرية الإيرانية حيث يرى الإيرانيون أن إعادة تنظيم القواعد العسكرية الحالية وإنشاء قواعد جديدة من شأنهما خلق خط دفاعي سيمنع العدومن بلوغ مضيق هرمز والخليج العربي, وبذلك ستوسع إيران من ستراتيجيتها الدفاعية, فمن ناحية هناك القوات البحرية التقليدية التي تسير دوريات في خليج عمان مستعينة بعدد أكبر من السفن الحربية, ومن جهة أخرى يستخدم الحرس الثوري قاعدة جديدة تتيح الانتشار في الخليج العربي ومضيق هرمز, وساندت هذه التحليلات ما أذاعته مصادر ديبلوماسية بريطانية في يناير الماضي عن دور للحرس الثوري في زعزعة الاستقرار في دول الخليج, فقد حذرت هذه المصادر من احتمالات قيام الحرس الثوري الإيراني بالتعاون مع "حزب الله" اللبناني بعدد من الاغتيالات بين شخصيات خليجية فضلا عن استهداف مرافق نفطية وأمنية في دول مجلس التعاون, وأشارت هذه المصادر إلى أن إيران ستقوم بهذه العمليات بمساعدة "حزب الله" وتنظيم القاعدة لفتح جبهات أمنية في دول الخليج, وذلك لصرف أنظار العالم عن أزمة الملف النووي الإيراني وما يحدث من اضطرابات داخلية لديها. ولم تستبعد معلومات المصادر البريطانية احتمالات خوض قوات مسلحة من الحرس الثوري الإيراني لبعض المعارك المباشرة في بعض دول الخليج, إذا تمكنت هذه الدول من القضاء على موجات الإرهاب والتخريب مرة أخرى, على نهج ما نجحت في القيام به المملكة العربية السعودية في السابق, وأكدت هذه المصادر أن دولة البحرين خصوصا قد تكون عرضة لاعتداءات إيرانية عسكرية مباشرة كما حذرت هذه المصادر دولة الإمارات العربية من أن تكون عرضة أيضاً لهذا التهديد.
كما أعلنت الولايات المتحدة في 10 فبراير الماضي تشديد عقوباتها على إيران, مستهدفة بشكل خاص الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات المرتبطة به, فقد اتخذت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات لتجميد أرصدة أحد قادة الحرس الثوري وأربع شركات تابعة له وهذا القائد هورستم قاسمي الجنرال في الحرس الثوري ورئيس شركة " خاتم الأنبياء" التابعة لوحدة الهندسة في الحرس الثوري حيث تتهمه الولايات المتحدة والشراكات التابعة له بالمساهمة في نشر أسلحة الدمار الشامل.
كما أوضحت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في جولتها الأخيرة لدول الخليج في فبراير الماضي أن ضغوط الولايات المتحدة على إيران بسبب أزمة ملفها النووي ستستهدف بصفة خاصة الشركات التي يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني والتي تحل محل حكومة إيران معتبرة أن إيران "تتجه نحوديكتاتورية عسكرية".
تهديدات الأمن
كل هذه المعطيات والتكهنات السابقة تدفع في اتجاه التأكيد على أن اكتشاف جريمة غسيل الأموال التي تمت لصالح الحرس الإيراني لم تحمل مفاجأة كبيرة للدوائر الغربية وخاصة الأميركية والبريطانية ولا للدوائر الخليجية التي تعتبر هذه العملية مهددة لأمن دولها. فقد عملت الدوائر الغربية منذ شهور على رصد تحركات وعمليات الحرس الثوري في دول الخليج بل يمكن القول أن الكشف عن هذه العملية يشكل بداية لحركة تمشيط واسعة تقوم بها أجهزة الاستخبارات الغربية للكشف عن صلات أكبر بين الحرس الثوري وبعض الشخصيات الخليجية أوللكشف عن معاملات تجارية أوغيرها يقوم بها الحرس الثوري للتغطية على اختراقات أمنية وسياسية تستهدف هذه الدول. بما قد يمثل بداية لحرب بين أجهزة الاستخبارات الغربية وقوات الحرس الثوري يكون مسرحها دول الخليج بعد ان أثار النموالسريع في قوة الحرس الثوري فضول الغرب لضربه باعتباره يمثل أقوى أجهزة إيران الدفاعية لاسيما بعد بروز قوة الحرس الثوري من خلال دوره في مواجهة حركة المعارضة المدنية التي قادها المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي بل واستمراره في لعب دور مركزي في المحافظة على بقاء النظام.
تصاعد تأثير قوات الباسيج (التي تبلغ حوالي مليون عضو) على أجهزة صنع القرار, ما حدى ببعض المسؤولين في إيران للمطالبة بدور أكبر للحرس الثوري في صنع القرارات في الوزارات المختلفة, كما زادت الموازنة المخصصة لتمويل قوات الباسيج في العام الماضي بنسبة 200 في المئة, إلى أكثر من 500 مليون دولار, برغم الضائقة المالية الحادة التي تعاني منها البلاد.
كما يبدوأن دول الخليج بدأت تنتبه إلى ما تفكر فيه الجارة الإيرانية من تطلعات لاستخدام أسواق واقتصاديات دول الخليج في غسيل أموالها التي تأتي من بيع المخدرات في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية, بل وفي استخدام أراضيها كممرات لعبور الأسلحة والأموال إلى الموالين لها في المنطقة العربية أو لقوى التمرد والإرهاب المهددة لأمن واستقرار هذه الدول, وتستخدم في الوصول لأهدافها كل أنواع الحيل وتستغل كل الظروف التي تعيشها دول الخليج بل وتستقطب كل من تجد من الرسميين أوغير الرسميين, ولا تهدف في كل ذلك إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أو دعم بعض الجماعات في المنطقة فقط بل تهدف إلى النفوذ والاختراق والوجود بصور مختلفة في دول الخليج حتى تستطيع استغلال هذا النفوذ في أوقات الأزمات.








