مازال قرار الحاكم المدني الأمريكي في العراق (بول بريمر) الخاص ب¯ "اجتثاث البعث" وقراره الآخر بحل الجيش العراقي ذو التاريخ الكفاحي المجيد, من اخطر القرارات التي قادت العراق إلى تلك الفوضى التي أودت بحياة قرابة مليون قتيل وجريح ومعوق, الأمر الذي زاد من عدد النساء الأرامل إلى مئات الألوف, ولأن قرار اجتثاث البعث ذي السمعة السيئة والذي لاقى نقدا ومقتا من الأوساط الشعبية العراقية, فقد عمدت الحكومة إلى تجميل هذا القرار ووضع المساحيق عليه, وأطلقت على هيئة اجتثاث البعث," هيئة المساءلة والعدالة" والتغيير هو في الاسم, في حين ظل المضمون على حاله, أي حرمان البعثيين الذين يعدون بمئات الألوف من حقوقهم المدنية والوظيفية, أي حرمانهم من حق العيش الكريم والآمن, هذا من جانب, ومن جانب آخر, فقد لاحقت السلطات الحكومية والمليشيات التي تشرف عليها إيران, ألوف البعثيين المدنيين والعسكريين وقتلت منهم الألوف, وشردت الملايين الذين يعيشون في المنافي سواء في بلدان الوطن العربي أو في دول العالم. والأدهى من ذلك فإن السلطات الطائفية الحاكمة في مدينة النجف التي ينتمي سكانها إلى طائفة دينية واحدة, قد هددت بل أوعزت إلى كل الأشخاص الذين كانت لهم مناصب في الحكم السابق, أو كانوا في الأجهزة الأمنية أو كانوا في صفوف حزب البعث, مغادرة المدينة, كي تبقى هذه المدينة خالصة لفئة واحدة موالية لإيران.
ومثل هذا التصرف الغريب المناقض لكل مبادئ الوطنية التي تضمن حق كل مواطن أن يعيش في أي مكان من ارض الوطن, فكيف هو الحال فيمن يعيش في بيته وأرضه منذ مئات السنين? ومن دون خلط في المقارنة, فإن هذا الإجراء الانتقامي, ليس إلا عنصرية طائفية وحقدا تاريخيا, يلغي حقيقة المكان, ومثل هذا الإجراء تقوم به سلطات العدو الصهيوني عندما تهدم بيوت العرب لإقامة وحدات سكنية فوقها يسكنها اليهود, ولا يختلف مثل هذا الإجراء عن نية اليهود الصهاينة إعلان دولتهم اليهودية التي لا مكان فيها إلا لليهود. والإجراء اللاقانوني في النجف هو إجراء عنصري يحقق مصالح إيران, بإخراج أو طرد كل معارض للوجود الإيراني في مدن العراق.
وكثيرا ما تحدثت الحكومة في المنطقة الخضراء عن المصالحة العراقية, التي استبعدت فيها البعثيين وكل رجالات الحكم السابق, والذين يعدون بمئات الألوف, سواء كانوا في محافظات العراق, أو خارج العراق, وبالذات في سورية والأردن. أي أنها أجرت حوارات مع أركان السلطة, أو المشاركين في العملية السياسية الخاضعة للاحتلال الأمريكي.
وبدلا من تقديم مبادرات توحي بأنها تقود إلى المصالحة الحقيقية, فإن أطراف السلطة وبإيحاء من إيران, لا تريد المصالحة الحقيقية, ولا تريد إشراك الوطنيين في السلطة, في حين أن الإدارة الأمريكية لها رؤيتها الخاصة, التي تنطلق من مصالحها في المنطقة, فهذه الإدارة تقف اليوم ضد الوضع السياسي الديكتاتوري في إيران, أي ضد قمع سلطات الأمن (البيسيج, والحرس) للمعارضين, سواء من الإصلاحيين أو من منظمة مجاهدي خلق, وتقدم السلطات الإيرانية عشرات المعارضين إلى المحاكم الإيرانية التي تحكم بالإعدام على العشرات منهم.
الإدارة الأمريكية تبدي انزعاجها من تزايد النفوذ الإيراني في العراق, في حين إن هذا النفوذ جاء بإرادة أمريكية قبل الغزو وبعده, عندما وقفت إيران إلى جانب الغزاة عام ,2003 وساهمت في احتلال العراق وإسقاط النظام الوطني فيه, تحت ذرائع واهية, وأثبتت الأيام بطلانها. واليوم يتقدم جو-بايدن نائب الرئيس الأمريكي باقتراح أو نصيحة لحكام المنطقة الخضراء, بتأجيل قرارات هيئة المساءلة إلى ما بعد الانتخابات حتى تمر هذه الانتخابات بسلام.
وقد اعتبرت إطراف في الحكم هذا المقترح تدخلا في شؤون العراق الداخلية ومساسا بالسيادة, وكأن السيادة غير مثلومه بسبب الاحتلال وارتباط بغداد مع واشنطن باتفاقية أمنية سالبة لهذه السيادة.
إن الأطراف المؤيدة لقرارات هيئة المساءلة التي يقودها الفاسد احمد الجلبي تنطلق من عقد طائفية قديمة, وتخاف من نتائج الانتخابات, التي قد تكون في صالح القوى التي أخذت تعمل على نطاق الوطن كله, وتشد إليها أطرافا من الشيعة والسنة, وتنادي بالابتعاد عن الطائفية لكلا الطائفتين.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية باتت أميل إلى تشجيع التيار السياسي الذي يقوده إياد علاوي, الموصوف بالعلماني, والذي يضم قوى سياسية قابلة بالعملية السياسية, لكنها معارضة لنهج المحاصصة الطائفية في الحكم وفي السلطة التشريعية( البرلمان).
فقبل أسبوع أطلق في بغداد تحالف واسع ضم علاوي وصالح المطلق وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وعبد الكريم ماهود المحمداوي الذي يحكم عشائر الاهوار وأسامة النجيفي والكاتب حسن العلوي, وهذا التحالف الواسع سيخوض الانتخابات المقبلة في السابع من شهر آذار 2010م, إلى جانب الكتل الطائفية الأخرى أو القومية الكردية.
من اجل إحداث خلخلة في كيان هذا التحالف, عمدت هيئة المساءلة إلى استبعاد حوالي 500 شخص من خوض الانتخابات المقبلة, بدعوى أنهم إما بعثيون أو يرجون لأفكار البعث, أو كانوا في الأجهزة الأمنية أو من (فدائيي صدام) سابقا. وهذا الرقم قد لا يكون كبيرا إذا قيس بعدد المرشحين الذين يتجاوز عددهم ,6500 ولكن الخطورة في أنهم من كيانات سياسية محسوبة على السنة.
ان المستبعدين بقرار هيئة المساءلة تقدموا بشكاوى إلى القضاء الذي من المفروض أن يبت بها خلال ثلاثة أيام تنتهي مهلتها اليوم وقد استند المبعدون إلى أن هيئة المساءلة لم تنل موافقة البرلمان العراقي وتتحكم في قراراتها أهواء وميول سياسية مرتبطة بإيران. وكل الأنباء تشير إلى أن هذا القرار حمله وزير الخارجية الإيراني متكي إلى حكام المنطقة الخضراء عندما زار بغداد مؤخرا. وتخشى إيران أن يفوز في الانتخابات المقبلة عناصر تقف ضد النفوذ الإيراني في العراق وتحد من سيطرة القوى والمليشيات الموالية لإيران في مؤسسات الدولة وفي البرلمان المقبل حصرا.
وتفيد الأنباء أن الأجهزة الأمنية المخترقة من المليشيات شنت حملة اعتقالات واسعة شملت شخصيات وطنية بدعوى انتمائها إلى البعث أو إلى أجهزة السلطة السابقة.
والسؤال هو أين كانت الأجهزة الأمنية طيلة السنوات الماضية التي أعقبت الاحتلال عن العناصر التي تدعي أنهم ارتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي..?! الم تكن هذه العناصر تعيش في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن?. ان الاعتقالات التي ترافقت مع قرار هيئة المساءلة تدخل في نسق واحد مؤداه إحداث بلبلة قبل الانتخابات وإبعاد أي أمل لفوز كتلة سياسية ربما تخل في ميزان القوى السياسية بعد الانتخابات.
ورغم عمليات الإبعاد والاعتقال فأن التكتلات السياسية الجديدة سوف تحدث توازنات تأخذ من رصيد التحالفات القديمة, وسيكون للأكراد دور (حامل الميزان) الذي سيرجح بعض الكتل في البرلمان المقبل, وبالتالي فأن تشكيل الحكومة المقبلة سيكون مختلفا عن الصيغة الحالية, أو أن الحكومة المقبلة لن تحظى بالقبول ونيل الثقة بالسهولة المرجوة بل ستواجه نقدا شديدا وتدخلا في برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسيكون للعراقيين خارج العراق دور مهم في إنجاح الكتل أو التحالفات البعيدة عن الطائفية لأنها لم تقدم للعراق والعراقيين أية مكاسب فوق الأرض.0








