صحيفة القبس- بقلم وفيق السامرائي: سيتسلم أوباما مسؤولية لا يحسد عليها، تتمثل باجتياز امتحان تاريخي حاسم، حيث تمر الولايات المتحدة بأزمات جدية، تتصدرها الأزمة المالية، التي يمكن أن تعصف بكل شيء، إذا لم تنجح خطط الإنقاذ الحالية والمرتقبة. أضف الى هذه الأزمة الورطة في العراق، وتصاعد الموقف في أفغانستان، ومعضلة الانتقال السريع للثروة والقوة من الغرب الى الشرق، ومحاولات روسيا العودة الى مرحلة التسابق في مجال الصواريخ الإستراتيجية. وهذه كلها مشكلات جدية، ليس من السهل اتخاذ قرارات حاسمة بصددها دفعة واحدة. وقد لا ينجح مجمل الاستراتيجيات في تحقيق الأهداف، لأن الخطط والاستراتيجيات لا تحقق وحدها الغرض من دون معطيات فاعلة.
لا انسحاب سريعاً من العراق
على الرغم من مرور نحو ست سنوات على عملية التغيير، لم تنجح الكتل السياسية في بلورة توجه متفق عليه.
ولم يجر التغلب على قواعد عمل المحاصصة أو القناعة بالعمل بها. ولم يتم التوصل الى صياغات نهائية للقرارات والقوانين المهمة. وهو ما يمكن أن يهدد في أي وقت المكتسبات الأمنية المتحققة، التي دأب الأميركيون على وصفها بالهشة.
وبما أن الاتفاقات السياسية لا تزال تراوح مكانها، والنفقات المالية الأميركية مرتفعة جدا في العراق، وبما أن الوجود العسكري الأميركي هناك بات مرهقا بالنسبة للأميركيين، بما في ذلك في مجال المناورة بالقوة، والتوازن الاستراتيجي، فإن أوباما لن يجد نفسه ملزما بالسياسات السابقة. وسيلجأ الى قرارات لم يكن في وسع إدارة سلفه جورج بوش تبنيها، بما في ذلك التلويح القوي بالانسحاب، وتنفيذ بعض فقراته فعليا، وتشديد الضغوط على بغداد، من خلال حزمة من الإجراءات لا يمكن الاستهانة بها.
ولما كان الوضع هشا فيمكن أن تقود خطوة الاضطرار الأميركي الى انزلاقات خطيرة. لذلك ليس من السهل توقع انسحاب أميركي شامل بسرعة، لكن هذا لا يعني التسليم بالمسلمات القائمة، فقد بات الوضع العراقي في غاية الحساسية وربما أكثر من قبل.
محاورة إيران أقصى المتوقع
لا تقل تعقيدات الموقف الإيراني عن المعضلة العراقية، بل هي أكثر خطورة وحساسية منها، لأنها جزء كبير وحاسم مما يجري في العراق. والكثير من الأصوات المسؤولة في أميركا أخذت ترتفع معتبرة إيران التهديد الرئيسي حتى من خلال المقارنة بالنظام العراقي السابق. فإيران متهمة اتهاما شديدا بدورها التخريبي في العراق، وتدخلاتها في تعقيد الموقف في أفغانستان وباكستان، وتدخلاتها السافرة في لبنان، وصولا الى برنامجها النووي – العقدة المستعصية- التي لا يمكن التساهل معها. ليس لأن البرنامج النووي يهدد إسرائيل فحسب، بل لأنه يهدد أمن العالم عموما والمناطق النفطية تحديدا. فضلا عن دعم فيلق القدس – الأداة الإيرانية الرئيسية – لقوى الإرهاب في العالم.
وطبقا لذلك فإن أوباما لن يستطيع أكثر من قبول فكرة الحوار المباشر كأقصى حد. وسيجد توجهاته وقد اصطدمت بمماطلات إيرانية تستهدف كسب الوقت لا أكثر. وعندئذ تكون الحجة الى جانبه لتحرك مضاد للتوجهات الإيرانية بمسلسل تشديد العقوبات، وصولا الى مواقف أكثر حسما، وهي معادلة لا مفر منها. لأن مشكلة إيران لم تكن مع الرئيس بوش بل نتيجة توجهاتها المثيرة للقلق، ولن تكون في وضع يجعلها تتخلى عن مشاريعها الكبرى، إلا إذا أرغمت على ذلك.
معضلة طالبان في أفغانستان
قد يلجأ الأميركيون الى تعزيز قواتهم في أفغانستان، لكن خطوة كهذه ليست ممكنة إلا من خلال سحب المزيد من القوات العاملة في العراق. وتحت ضغط توجه الحوار، ستقدم الإدارة الجديدة على إطلاق يد القيادة المركزية لقواتها في الخليج في مجال القبول بالاتصالات مع حركة طالبان. وقد يكون مثل هذا النشاط مرافقا لنشاطات أوسع من خلال دول خليجية. إلا أنه من غير المتوقع أن تكون الاتصالات مع طالبان هينة ويسيرة، خصوصا بعد شعورها بتجاوز مرحلة الخطر التي أعقبت انهيار حكمها، وتكيفها مع الوضع المستجد، وخصوصا أيضا بعد الحصول على مصادر دعم إيرانية بالسلاح، وكذلك عدم تمكن باكستان من السيطرة على منطقة القبائل الحدودية مع أفغانستان، التي تتعرض لغارات جوية أميركية متكررة، قد لا يمتلك الرئيس أوباما قرار إيقافها مراعاة لقادته الميدانيين، الذي يجدون فيها جزءا من سياق المجابهة العام، والتقاطع السياسي مع العسكري في الدول الغربية يعتبر خارج عن العادة.
القضية الفلسطينية ثانوية
معضلات المال والعراق وإيران وأفغانستان والقلق على الترسانة النووية الباكستانية، ستجعل الدور الأميركي في مسألة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ثانويا، لأنه لا يشكل خطرا جديا على المصالح الأميركية يرتقي الى مستوى الملفات الساخنة. فتأثيرات الصراع باتت محدودة في نطاقها الجغرافي: فلا قوات أميركية منتشرة هناك، ولا تداخلات تؤثر في الأمن القومي الأميركي مباشرة. لكن هذا لا يعني عدم القيام بنشاطات دبلوماسية لمحاولة الوصول الى تسوية للخلافات في وجهات النظر والمطالب.. نشاطات لا تتعدى ما قامت به الإدارة المنتهية ومن سبقتها، وربما دون ذلك.
تعويلات خاطئة
من الخطأ التعويل على توقع نهج أميركي مفرط في التوجهات السلمية. فالرئيس أوباما لن يكون محطة لتراجع أميركي شامل ولن يكون ميخائيل غورباتشوف آخر، فضلا عن أنه سيقع تحت تأثير ملفات وقضايا ساخنة معززة بتقارير يومية للاستخبارات، عمل بطريقتها منذ عقود. وسيجد أوباما نفسه ملزما بتبني قرارات ترتقي الى مستوى الحسم تدريجيا، إلا أنه سيتجنب التصرفات المنفردة من دون الأخذ برأي الحلفاء وموافقتهم. ولن يكون في وضع يسمح له بتجاوز إمكانات واهتمامات الدول العربية، خصوصا الخليجية منها، التي فرضت عليها مشاكل الأزمات من أفغانستان الى لبنان، أرادت أم رفضت. لذلك فالدور العربي سيكون أكثر تأثيرا مما هو عليه الآن.
لا بد من الانتظار أشهر لرؤية الخطوات الأولى لأوباما. فليس من المعقول التسليم بما يقال بأن السياسة الأميركية ثابتة لا تتغير. فليس هناك من سياسة ثابتة.








