السياسة-سفيان عباس:يشهد العراق خلال الأشهر المقبلة حدثا غير عادي يتعلق بانتخابات مجالس المحافظات والبلديات التي تحدد مستقبل هذا الشعب, وتضع حدا للتدخل الخارجي , بعد الفشل الذريع الذي أحدثته المجالس الحالية والتي تفشت فيها ظاهرة الفساد الإداري وانتشار المحسوبية, والمحاباة واختلاس المال العام التي مارستها الأحزاب الدينية الحاكمة, ما اضعف مسار الوطنية الحقة, وعطل قوانين الحق والإنصاف, وإبعاد العناصر النزيهة, وأصحاب الكفاءات والعقول الريادية في المجالات كافة, وبالتالي انعكس سلبيا على أسباب الحياة الكريمة للمواطن , فلا امن ولا خدمات ولا قيمة لكرامة الإنسان الذي بات يعيش الرعب في حله وترحاله ويواجه الإرهاب والفوضى العارمة, ولم يجن إلا الموت والحرمان , الضبابية والسواد صارت لديه سيان, ولم يعد يفرق ما بين الموت والحياة ,
ولهذا أصبح التغيير لابد منه وحتميا لكل الجهات ذات العلاقة في صنع القرارا على مستوى العراق كله, لكي تحل محلها الكوادر الأكثر وطنية وقبولا لدى أبناء الشعب .
قانون انتخابات مجالس المحافظات لم ير النور بعد ولا زال قيد السجالات بين أقطاب الكتل السياسة التي تريد جني المزيد من المكاسب الذاتية على حساب المصلحة العليا, وخصوصا التحالف الكردي الذي يحاول إضعاف الحكومة المركزية تمهيدا للانفصال وتقسيم العراق , وان قضية كركوك كانت الفيصل في هذه المماحكة المخطط لها , وقد نال الأكراد ما كانوا يطمحون إليه بعدم حل المليشيات الكردية المهيمنة على الأمن في هذه المحافظة اذ حذفت عبارة استقدام قوات من الوسط والجنوب لتحل محل تلك القوات, وتحديدا في نص المادة 24 من القانون . كما أضيف نص جديد على المادة المذكورة فيما يتعلق بالتجاوزات السكانية التي حصلت قبل وبعد العام 2003 لكي تشمل العنصر العربي الذي سكن كركوك في جميع الحقب الزمنية السابقة, في حين إن التجاوز السكاني أقدم عليه الأكراد بعد العام 2003 حيث تم توطين مواطنين أكراد قادمين من المحافظات اربيل والسليمانية ودهوك حتى صارت الزيادة في النمو السكاني لمدينة كركوك بحدود 30 في المئة خلافا للمعايير الدولية الخاصة بالنمو السكاني البالغة 3في المئة فقط , ومن المستغرب إن هذا النمو لم يحصل في المحافظات الثلاث بل حصل العكس أي بمعنى تناقص عدد السكان فيها , وان دل هذا على شيء فأنه يدل على حصول تجاوز متعمد للتوطين والتغيير الديموغرافي بقوة الميليشيات التابعة للأحزاب الكردية ? فالانتخابات آتية وحرية الاقتراع والخيار متروك أمرها للمواطن العراقي الشريف لكي يحسن اختيار المرشحين هذه المرة وان لا يقع في فخ التضليل في الشعارات الانتخابية او الخطابات السياسية الفضفاضة, لقد جرب الحال للدورة الحالية, ولمس جمرة المرارة من جراء استخدام الشعارات والرموز الطائفية التي دفعت به الى الهاوية والضياع , رغم قناعتنا الملموسة بأن المواطن أصبح أكثر إدراكا من ذي قبل , فالأحزاب الدينية سرعان ما تتنصل عن وعودها ليس في العراق فقط , وإنما لدى غالبية الدول وإنها تسلك الوسائل غير الشرعية من اجل تحقيق أهدافها غير الدينية . ومما لاشك فيه إن إيران سوف تؤدي دورا رئيسيا لغرض ترجيح كفة التيارات الدينية الفاشلة بعد ظهور قوى عربية أصيلة في الجنوب والوسط العراقي مطالبة بإنهاء النفوذ الإيراني .
إن كبوة الشعوب ومحنها عبر التاريخ تتطلب وقفة شاملة من الشعب وقواه الوطنية وضرورة رص الصفوف ورفض كل أشكال الوصاية والولاية من أي جهة كانت ومسألة عروبة العراق يجب ان تكون قائمة وحاضرة بالضمائر كل حين ولا يجوز التفريط بها وهي مسؤولية تضامنية مع الأشقاء العرب حكومات وشعوب . ماذا فعلت الطائفية خلال السنوات الخمس الماضية? وما نتائجها ? أين مصير الوطنية التي صارت ممسوحة من ذاكرة العراقيين ? وأصبحت الشعوبية وذيولها الطائفية المعادية لكل حس وطني الغالبة والطائفية على السطح بلا حياء ? إن القراءة المعكوسة لتاريخ الأمة العربية وخلافاتها المتعاقبة تعطي صورا مشوهة عن حقيقة التسامح والإخاء الإسلامي الذي يخلو تماما من الطائفية المقيتة . ولهذا صار لزاما أن يدخل الخط الوطني على مسار الانتخابات المقبلة لكي يصحح كل الأفكار الجاهلة والخاطئة, وان يؤكد مبدأ المواطنة أولا ?
* محام وكاتب عراقي








