القبس الكويتية- الجنرال وفيق السامرائي:كان واضحا أن استهداف السفارات العربية في العراق، من قبل منظمات الارهاب والتخريب والعنف، الموجهة من قبل أجهزة المخابرات، فعل يراد منه طرد الوجود العربي من العراق. وكان المفترض قبول التحدي والبقاء في العراق بطريقة أو بأخرى. لكن تقدير الدول العربية كان لا بد أن يحترم في ضوء خصوصياتها، تحت تأثير أقصى درجات العنف التي كانت سائدة خلال فترة الخروج من بغداد أو التريث في العودة اليها. وقد لا تصح المقارنة بين الوجود الايراني والعربي. فواقع الحال أن الايرانيين جعلوا من السفارة أقرب ما تكون الى غرفة عمليات وليس تمثيلا دبلوماسيا، وهو نهج لم يكن من تقاليد العمل الدبلوماسي العربي، أو أن العرب ليسوا مستعدين بعد للتضحية بدبلوماسييهم، أو تكرار التضحية بهم.
أحد أسباب الغياب العربي عن العراق أن المعارضين للنظام الجديد، صوروا التمثيل الدبلوماسي وكأنه يعطي شرعية لحالة لا يريدونها، فيما الوقائع كلها تشير الى أن القطيعة والانسحاب لا يمكن أن يؤديا الى نتيجة حاسمة مع دولة مسندة من قبل الغرب، ولديها قدرات مالية جعلتها قادرة على التعايش مع مرحلة انتقالية من دون معوقات جدية. و من مسلمات التقدير أن وجودا عربيا مباشرا كان يمكن أن يساهم في تعزيز الكثير مما هو منطقي من المطالب ضمن الأطر الوطنية.
حتى اليوم، ومع تزايد القناعة بعدم جدوى القطيعة العربية، ترتفع أصوات تندد بالمبادرات العربية «العودة الى بغداد»، بطريقة علنية أو متسترة، تحت ذرائع «مقاومة الاحتلال» و«عدم اضفاء شرعية على الحكومة».
عناصر الاستهداف
لا شك في أن تنظيم القاعدة استهدف السفارات العربية، لأن برنامجه يعتمد على اشاعة الفوضى. لكن العديد من أطراف هذا التنظيم موجهة من قبل فيلق القدس الايراني، فضلا عن النشاطات التي تقوم بها "فرق الموت"، لأن طهران تريد أن تستفرد بالعراق، ليس لتظهر مساندتها للحكومة العراقية فحسب، بل لاظهار سلبية الموقف العربي. وكلما طال أمد الغياب العربي حققت السياسة الايرانية نجاحا على هذا الصعيد وعززت توجهاتها في هذا السبيل. والأسباب عديدة، منها: اشعار حكومة بغداد بأن العرب معنيون بعدم تحقيق نجاح في العراق. وهو تصوير لا ينسجم وحقيقة الموقف العربي، الذي وقع تحت ضغط العنف الموجه والتخريب وظهور أصوات غير متعاطفة مع الانتماء العربي للعراق، وفق خطة تستهدف سلخه عن محيطه الأساسي.
مطالب شعبية
تشير كل المعطيات الى تأييد شعبي واسع للتواجد العربي في العراق. فوجود السفارات يعني معايشة عربية للظرف الصعب الذي يعيشه العراقيون. ويساعد على تنشيط الاتصال اليومي المباشر بمؤسسات الدولة العراقية وأصحاب القرار وبالقوى المشاركة في العملية السياسية، ممن تتخذ موقفا معارضا حيال العديد من المواقف. كما يعطي شعورا للمواطنين العاديين هناك بعدم تخلي العرب عن العراق في ظروفه الصعبة، وعدم تركه ساحة عمل للآخرين الذين يسعون الى فصله عن محيطه العربي. ومن خلال الاتصال اليومي، من قبل الدبلوماسيين العرب مع الحكومة والبرلمان والقوى السياسية، يمكن الوقوف على وجهات النظر المختلفة، وفرض وجهة النظر العربية في المسائل الحيوية، بدل التعويل على وسائل غير مباشرة، تبقى قاصرة في تأمين عنصر المحاكاة اليومية.
الربط الاقتصادي
يسهم الوجود الرسمي العربي في العراق في تعزيز روابط اقتصادية من خلال المنظمات والجهات التجارية. بالتالي تؤدي الحال هذه الى احداث تشابك ايجابي بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية العراقية ومثيلاتها العربية، وعدم ترك السوق العراقي عرضة للاحتكار من قبل طرف معين.
ومثلما يتشابك الحضور السياسي مع الجانب الاقتصادي، يتسبب الغياب السياسي في غياب النشاطات الاقتصادية. وبالتالي تضعف العلاقات بين الشعوب والدول. لأن العلاقات الدبلوماسية تبقى بعيدة عن الجدوى ان لم تتسع للنشاطات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وفي واقع الحال، فان الروابط العراقية مصممة لكل الاعتبارات لتكون باتجاه المحيط العربي أولا، والقطيعة لا تتناسب مع هذه الحقيقة.
حضور رفيع
حسب التسلسل الزمني، زار بغداد كل من الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ووزير خارجية سورية وليد المعلم، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ووزير خارجية مصر احمد أبو الغيط، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وكانت فترة زيارة كل من هؤلاء قصيرة لاعتبارات أمنية. لكن مجرد الحضور الى بغداد كان كافيا لايصال رسالة ايجابية واضحة، تفتح الباب امام اتصالات أوسع، طبقا للمعطيات على الساحة العراقية. وكلما أعطت بغداد اشارات ايجابية مهمة، وكلما تطلبت الحال، تتسع أبواب الترابط لتشمل الأفق العربي الفسيح. وهو أفق لا تعوضه بوابة محدودة المنافذ.
ويمكن القول أن زيارات المسؤولين العرب أعطت دفعا قويا ومهما، وقدمت مؤشرات واضحة على أن العراق باق في محيطه العربي بغض النظر عن الارهاصات ومحاولات ابعاده.
هوية العراق
حصلت سجالات كثيرة حول حقيقة الانتماء العربي للعراق وجدواه. كما حصلت نقاشات حول تعريف الهوية في ما يتعلق بالمسائل الدستورية. ومهما قيل ومهما حدث، فان الواقع الشعبي والمشاعر البشرية تؤكد أصالة الانتماء وعضويته التاريخية. ولعل ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس أخيرا من «انهم يريدون عراقا بهوية عربية»، لاعتبارات تتعلق بمواجهة المد الايراني، يثبت أن العراق مطلوب في محيطه، ومطلوب في موقعه وتراثه.
والدليل على ذلك بقاؤه كذلك محافظا على هويته رغم كل ما تعرض له من حروب وغزوات مريرة منذ سقوط الدولة العباسية.وتأسيسا على ذلك، فان زيارات المسؤولين العرب مهمة ومؤثرة ومهمة جدا، مثلما هو الوجود العربي في بغداد وغيرها من المدن العراقية الرئيسية، ليس فقط لعدم ترك الساحة للآخرين، بل أيضا لتعزيز ثقة العراقيين القوية بانتمائهم العربي، والمساهمة في حل الاشكالات والمشاكل. وينبغي ألا يفهم ذلك على انه مؤشر موافقة مفتوحة على كل ما يطرح ويجري تبنيه في العراق من دون رأي وتمييز. بل ليكون قوة دفع وتقويم لمبادئ المصالح الوطنية ومتطلباتها. أما الحديث عن الاحتلال الأميركي فلم يعد مبررا التركيز عليه كثيرا. فالقوات الأميركية سترحل خلال فترة أقصر مما كان متوقعا. أو، في أحسن تقدير، سيتقلص تأثير هذه القوات كثيرا. وهناك أمور أكثر أهمية من موضوع الاحتلال. ولا ينبغي أن يفهم الحضور العربي على انه لمجابهة النفوذ الايراني. فالعلاقات الطبيعية مع الجار ايران ضرورية عندما تكون بعيدة عن التدخلات المؤذية التي تمس هوية العراق وتركيبته.








