السياسة الكويتية-سفيان عباس:الدين يرمز في جوهره الى وجود أواصر غير مرئية بين العبد وخالقه تتفاعل دائما مع القبول الروحي لها, بغض النظر عن ماهيتها, والتي تكون غالبا لمصلحة العباد في التوحيد وبناء الإنسان المؤمن الملتزم بتعاليمها وصولا الى خلق النموذج ضمن منظور العبادات, انطلاقا من ثوابتها الأخلاقية في تكوين الشخصية الإيمانية التي تعرف حدود الخالق سبحانه بشأن محرماته وأوامره ونصحه وإرشاده للضالين عن عبادته .
لم تكن تلك المفاهيم داخلة بالحسابات السلطوية لقيادة الجمع المؤمن, وانما دورها قد انحسر وفقا لما ورد بالكتب المنزلة على ضوء حاجة الناس والحقبة الزمنية الموجبة لتبليغ الرسالة الإلهية وفق أوامر العلي القدير, جل وعلا , ولم يكن الأنبياء والرسل وسطاء بين الخالق وعباده وانما أمرهم محصور بالضوابط المأمورة والقيم المقررة والنفحات المبجلة بحكمته لكون اغلبهم بشر مثلنا تم تفضيلهم بإرادته عن طريق الإعجاز , وتكونت بعدها, دور العبادة من كنائس ومساجد وغيرها لتكون مستقر دائم لأداء الفرائض بعيدا عن السلطة بمعناها المعاصر,
لان الغاية النهائية في التطبيق المثالي لتعاليم السماء سوف تخلق بالضرورة المؤمن المثالي الذي لا يحتاج الى أوامر وضعية لرشده للطريق السوي .
ان المناقلة التاريخية التي أباحت لرجال الدين من بعد الأنبياء والرسل بشأن تغيير مفاهيم الإذعان لأوامر الخالق قد وظفت خارج مقاصدها السماوية وزج بها في ساحة الصراع الدنيوي لتكون واحة مشوهة للأصل الروحي العميق الذي كبل عناصر الشطط عن المسار الصحيح للدين, ما افرز مظاهر غير مرضية, انعكست سلبيا على الرسالة ورجال الدين من بعد الأنبياء الطاهرين كونهم قد أوفوا العهد الرباني وتركوا المسيرة الى خلفائهم الصالحين الإجلاء .
ان محاكاة بسيطة للمنطق التاريخي لأولئك الخلفاء هل أدوا ما أوكل إليهم من شرف الهي مقدس ? فالجواب حتما سوف يأتي من نتائج التقييم الأخلاقي لدورهم في الالتزام المطلق بالنص والروح لكل التعاليم, دون استثناء, سواء تلك التي وردت بالرسالات او في سنن الأنبياء الذين لا ينطقوا عن الهوى إلا بوحي يوحى, هذا ما نبحث عنه اليوم بعد ان شهدنا متغيرات نوعية لحركة التاريخ البشري عبر هذه الآلاف الغابرة من السنين وتحديدا ما قدم الحكام الى عبادهم , لقد مرت الإنسانية بمراحل وتداعيات ومنعطفات مريرة ألمت بالعباد والوهاد الكوارث والمحن وكان رجال الدين الأطهار او المصلحين والداعين الى لملمة الجراح والوثوب مجددا لمواصلة الطريق الإيماني حتى استعادة الأوطان لعافيتها المفقودة نتيجة ما الم بشعوبها من ويلات .
ما خبرنا الانحراف عن هذه المقومات إلا القليل من رجال الدين الذين ضعفت لديهم اسباب الإيمان الصميمي وغلبت عليهم المصالح النفعية وانهارت في نفوسهم دعائم الثبات الحقيقي لكل المعاني الجليلة للدين الحنيف لان دور رجل الدين إصلاحي مرشد الى المثل العليا, ويبعد المؤمنين عن الفحشاء والمنكر والمحرمات الإلهية بكل اشكالها وألوانها , أما ان يساهم هو بهذه المنكرات والقبائح فهذا أمر يجب الوقوف عنده , لقد ظهرت في عصرنا نماذج من هؤلاء افلحوا بتكريس الصور المضللة والمشوهة للنفحات المقدسة بسره الموعود, ولم تمر فترة زمنية معينة وإلا ظهر فيها الدجالون والمحرفون لنصوص الرسالات ونفحات الأنبياء من السنن , ان الأديان عموما حرمت قتل الإنسان بغير حق والحق لا يقرره رجل الدين او سواه, وانما التقرير النهائي لصاحب القدر الأكبر يوم قيام الساعة او أكل أموال الشعب الصالح بوسائل محرمة بالقوانين السماوية والوضعية , اذن من هو رجل الدين الذي يقدم على هذه الأفعال الجرمية ? لعل الإجابة تكون واضحة بمثل تلك الحالات من الانحرافات المزرية التي يرتكبها بعض رجال الدين, ان تحقق تلك الاعمال عندما يكون رجل الدين متجاوزا للحدود الربانية ويقف على سدة الحكم خلافا للشرع , رجال دين عدة تجاوزا هذه الخطوط ورسموا لأنفسهم معالم الغلبة من دون سند شرعي, فقد ساهموا بالجرم المشهود بقتل المؤمنين الأبرياء كما حصل في ايطاليا أيام زمان, وحدث بالجزائر, وما يحدث اليوم في لبنان والعراق وإيران, وان مصدر القرار واحد بكل البلدان المذكورة, ألا وهو النظام الفاشي الحاكم في طهران الذي ما برح يتفاخر بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بحق الإنسان المسلم تاركا المهمات المقدسة المعهودة إليه للخلف?
* محام وكاتب عراقي








