سفيان عباس: من السذاجة بمكان ان يستبعد المنظرين الاستراتيجيين نظرية المقايضة عن حرب القوقاز الدائرة رحاها ألان بين روسيا الاتحادية وجورجيا المتمردة والسائرة في الركب الأمريكي والغربي والتي تدور حول فلكهما بامتياز وبغض النظر عن حدة الخطاب السياسي للإطراف المتنازعة وعويل البيت الأبيض والساحة الحمراء فأن للسياسة إحكامها وحكمتها ومبررتها المبررة بغاياتها وأهدافها . ان رائحة الطبخة قد فاقت التصور وألجمت الأفواه والأنوف رغم التحضيرات الذكية لصناعة هذا القرار خلف الكواليس فالعلاقات الدولية في ظل القطب الواحد بدأت تتراجع تحت هياج الدب الروسي واحتمال عودة الحرب الباردة بفضل الضغط المتنامي للمؤسسة العسكرية الروسية التي تحكمها إرادة خمسة آلاف جنرال من المتشددين الروس الراد كالين
وهم جناح الصقور في مركز القرار الروسي على الأصعدة كافة . ولهذا كان التوجه عميقا للدخول الروسي بحجة مساعدة الإقليمين المتمردين عن المركز الجورجي ( افخازيا واستويتيا الجنوبية ) من الموطنين الروس القاطنين الأراضي الجورجية . ما هي أبعاد تلك الصفقة ؟ مما لاشك فيه ان مسألتي كوسوفو وإيران كانت المفصل المحوري التي دخلت قوانين لعبة الكبار وتقاضيت عليها كلا الدولتين من اجل تمرير الاستراتيجيات المرسومة بشأن هذين الموضوعين الحيويين . نعم ان الخط العام لهذه الاتفاقات ربما تأتي صحيحة لمعالجتها قبل رحيل الرئيس الأمريكي جورج بوش عن سدة الحكم لان شعب كوسوفو قد تعرض للاضطهاد والتمييز العنصري وحتى الإبادة الجماعية كما هو حال باقي الأقليات المسلمة في يوغسلافيا اما الموضوع الإيراني فهو الأكثر تعقيدا الذي يعكر باستمرار صفوة العلاقات الدولية بشكل عام ومن بينها العلاقة الروسية الأمريكية ولم يخضع الى تحليلنا بخصوص الاضطهاد او التمييز او المضايقات غير المبررة للنظام الحاكم في طهران كونه مصدر لكل هذه المظالم بل انه قد تجاوزها حينما خادع المجتمع الدولي ببرامجه النووية السرية للإغراض العسكرية وسعيه للحصول على القنبلة الذرية كوسيلة حمقاء لتوسيع نفوذه الطائفي والعنصري في المنطقة والعالم وما يعزز هذا الرأي إذا كان نظام الملالي فعلا راغبا بالاستخدام السلمي للطاقة الذرية لماذا الصواريخ البالستية بعيدة المدى نوع الشهابات المرعبة الأول والخامس وربما العاشر بعد حين أليست هذه وسائل ردع إستراتيجية لأنها قادرة على حمل الرؤوس النووية . اذن المقايضة الروسية الأمريكية صححت المسارات الخاطئة في موازين العدالة الدولية وأعطت ان صحت كل ذي حق حقه سواء لشعب كوسوفو او النظام الإيراني الفاشي الذي ما برح يهدد جيرانه وتحديدا دول الخليج العربي قبل امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل بصورة فعلية وان كان قاب قوسين او ادنى منها حسب آخر تصريح للدكتور محمد البرادعي رئيس منظمة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة . ان الضجة المفتعلة حول الدرع الصاروخي وتزامن ذلك التوقيع على المعاهدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبولند ما هي إلا إحدى مسارات المخادعة في قواميس لعبة الكبار . حيث من الثابت خلال الأربعين عاما المنصرمة ان الغرب وأمريكا قد وضعوا المئات من منصات الدرع الصاروخي في أوربا بعد الغزو السوفيتي لجيكوسلفاكية السابقة عام 1960 . نحن ندرك حجم المخاوف الأمريكية والغربية ومعهما العالم بأسره من خطر الصواريخ الإيرانية نوع شهاب القادرة من الوصول الى أهدافها في عمق القارات الخمس ولهذا صار لزاما الوقوف ضد المخططات العدوانية الشرسة لنظام الفاشية الدينية وان كل الوسائل تعد مقبولة لردع أسلحة الدمار الشامل التي تكون بحوزة الأنظمة المارقة والباغية حتى وان كانت تحت خيمة المقايضة او لعبة الكبار او الصغار المهم تحجيم هذه النزعة المميتة لتلك العصابات الإجرامية الحاكمة باسم الدين او المذهب الطائفي التي لا ترعوي لأي منطق يحكم متطلبات الحكمة في بناء علاقات دولية سليمة او مهتمة بالمصير العام للبشرية . ان الكبار أصحاب القوة هم وحدهم الذين يتحملون المسؤولية الأخلاقية في معالجة النظم الخارجة عن القانون الدولي وان كل خطواتهم الجارية في الدهاليز الظلماء او خارجها بالعلن تعد مشروعة وربما مباركة وان تضررت بعض الأنظمة او الشعوب ولكن نبقى نقول ان الغايات لها ما يبررها في الوسائل ؟؟؟








