السياسة-داود البصري:لعلها من طبائع الأمور و الأحوال أن يكون العراق بأسره بمثابة المجال الحيوي الرحب للنظام الإيراني, وهي الفرصة التاريخية والستراتيجية التي وفرها الإحتلال الاميركي للعراق لكي تطلق بعدها أيادي النظام الإيراني بكل حرية ولكي يستغل الإيرانيون أجواء الفوضى العراقية لينتشروا بكفاءة إستخبارية ويباشروا بنفث وحقن السموم في المجتمع العراقي المفكك أصلا بفعل سنوات الحرب والديكتاتورية والحصار ,وهو انتشار لم يكن ليتم بتلك السهولة المفرطة لو لم تكن العملية السياسية مثقوبة, ومشوهة من الأساس, فالقوى السياسية والطائفية المرتبطة بالنظام الإيراني إرتباط الوليد بأمه كانت هي التشكيل الجديد الذي خرج من رحم حكومات ما بعد الإحتلال!
وهي حالة غريبة لم تحدث في تاريخ العالم, وحتى في تواريخ الدول التي أحتلت عبر التاريخ بفعل هزيمة أنظمتها العسكرية كما هي حال الشعب الألماني الذي حكمته بعد إحتلال الحلفاء وسقوط النظام النازي حكومة المانية كانت ذات ميول غربية بفعل الواقع, ولكنها كانت وطنية الفحوى والمحتوى والهدف, وكذلك الحال مع اليابان رغم الفروق الحضارية الهائلة بين الشعبين الألماني والياباني, والشعب العراقي! فإيران كانت حاضرة في المشهد السياسي العراقي منذ ما قبل سقوط نظام صدام , كما أنها كانت تجهز وتعد أدواتها في الساحة العراقية منذ عقدين سابقين , فوجودها في الساحة العراقية هو من طبائع الأمور, فحجم القوى السياسية والدينية العراقية المرتبطة بإيران كان من الضخامة والتشعب والانتشار بحيث أنه اكتسح الحالة الجديدة في العراق, ومما أدى في النهاية الى تشكيل تيارات سياسية طائفية جديدة لم تكن بأمرة النفوذ الإيراني في السابق, ولكنها انضوية اخيرا تحت خانة ذلك النفوذ , والحديث عن وجود معسكرات إيرانية لتدريب فرق الموت والإغتيالات في العراق, هو حديث قديم ومستهلك وفاقد لحرارته , فالجميع يعلم أن إيران تعج بمختلف أنواع المعسكرات التدريبية للقوى الطائفية منذ زمن بعيد , كما أن الجميع يعلم بالرسالة التبشيرية للنظام الإيراني ودعوته لتصدير الثورة, وسعيه المحموم الى زعزعة أركان أنظمة دول الخليج العربي عبر تشكيل الخلايا السرية تحت ستار العمالة الإيرانية الكبيرة في دول المنطقة, وبغطاء من البعثات الديبلوماسية وبعض المراكز الدينية وهذه أمور معروفة لأجهزة الأمن في دول المنطقة ولكن ما ليس المعروف حتما هوحجم الخلايا السرية الساكنة أوالنائمة التي تنتظر إشارة الإنطلاق وبأسلوب النظام العراقي نفسه في مرحلة ما قبل غزو الكويت وحيث تبين أن بعض "غسالي السيارات" ما هم إلا ضباط مخابرات عسكرية!, والنظام الإيراني لم يعد اليوم يخفي شيئا أبدا فتهديدات قائد الحرس الثوري جعفري لدول المنطقة علنية وليست مستترة , والأعمال العدوانية لقائد فيلق " القدس " سليماني علنية أيضا , والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز وتدمير اقتصاديات المنطقة باتت من الأمور اليومية والمعتادة , والإصرار الإيراني على تصعيد الموقف ورفض حزمة المبادرات الغربية للتخلي عن جنونها النووي لا يعبر إلا عن سياسة إنتحارية, لربما لها رصيد في الفكر الآيديولوجي الحاكم.
وفقا لرؤى وتصورات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المولع بالروايات الأسطورية, وعلى أي حال , فإن أفعال النظام الإيراني في العراق قد وصلت لدرجة الفضيحة الأخلاقية, لدرجة أنهم اليوم يدربون جماعة مقتدى الصدر ومجاميعه الخاصة لقتل جماعة إيران في فيلق "بدر " في إنطلاقة ودعم واضحين لعملية فتنة دموية كبرى بين الأحزاب والجماعات الشيعية في العراق تتيح دمويتها وعبثيتها للنظام الإيراني التدخل لتحقيق أهدافه في العراق والمنطقة , وقد كان مضحكا وبائسا للغاية ذلك التصريح الذي أطلقه الرئيس الإيراني خلال زيارته الأخيرة لتركيا بشأن دور إيراني في حماية الشعب العراقي في حال انسحاب القوات الأميركية! من يحمي النظام الإيراني في العراق ? ومن يشكل خطرا حقيقيا على العراق سوى ذلك النظام وصنائعه من القوى والتيارات المتخلفة البائسة الباحثة عن إمارات طائفية, وعشائرية, والمغرقة في الخرافات والأساطير! من يسلح قوى القتل والتطرف والإغتيال سوى النظام الإيراني ذاته ? لقد هرب أفراد العصابات والميليشيات الإرهابية بعد عمليات "صولة الفرسان" العسكرية الأخيرة في البصرة, ولكنه كان هروبا تكتيكيا لإيران من أجل تجميع القوى وإعادة التنظيم والعودة للساحة من خلال تكتيكات وأساليب جديدة هي ذاتها التي يجري الحديث عنها اليوم عبر تنشيط فرق الموت والقتل ومجاميع الإرهاب الخاصة ! فالنظام الإيراني يمتلك ساحة عمل واسعة للغاية للمناورة على طول الساحة الخليجية, وليس في العراق فقط, ومخططات النظام واضحة ومعلنة لا تخطئ العين الخبيرة قراءة دلالاتها ومعانيها ومضامينها , وتجهيز القوى البديلة للقوى التي كانت مرتبطة بالنظام الإيراني لعقود طويلة أضحت اليوم هي العنوان المستقبلي لحملة الإغتيالات والإرهاب الجديدة التي ستنطلق في العراق كجزء من مستلزمات صورة النزاع الإقليمي المحتدم, والذي سيعاني الشعب العراقي, ولربما شعوب المنطقة من شظاياه القاتلة , صراع الضد النوعي بين حلفاء النظام الإيراني في العراق سيرسم من دون شك خارطة دموية جديدة للوضع العراقي المريض والمعقد والحافل بكل صور التدخل والفوضى.








