دنيا الوطن – غيداء العالم: (بأسهم بينهم)، تحسبهم جميعا و قلوبهم شتى)، تعابير قرآنية بليغة و دقيقة لو قمنا بسحبها على مايجري حاليا في قمة السلطة بنظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، إذ هناك مواجهة غير طبيعية تدور رحاها بين جناحي النظام و داخل الجناحين نفسيهما، وهي حالة لم تکن من قبل موجودة و باتت تفرض نفسها بقوة بعد الانتفاضة الاخيرة بشکل خاص، مما يعني إن هذه الانتفاضة قد وجهت ضربة فريدة من حيث قوة تأثيرها على قمة النظام في إيران.
واجه النظام الايراني منذ تأسيسه تحديات و تهديدات و أخطار جمة وکان والى حد إنتفاضة عام 2009، قد إستطاع بصورة أو أخرى من تجاوز کل ذلك و بقائه واقفا على قدميه وهو يتحدى خصومه، لکنه وبعد إنتفاضة 28، ديسمبر/کانون الاول 2017، فإن الوضع إختلف، إذ أن النظام لم يعد يتمکن من الوقوف بثبات کما کان يفعل سابقا، بل إن العالم کله صار يرى ترنحه و تضعضعه و تخبطه غير المسبوق، وهو وبدلا من أن يتحدى خصومه فإن أقطاب أجنحته منهمکون بتهديد بعضهم البعض و نشر غسيلهم القذر، بما يوحي من إن الامور ليست طبيعية و هي تماما کما أکد العديد من المحللون السياسيون، صارت تجري بسياق خاص بعد الانتفاضة الاخيرة التي شکلت فاصلا بين زمنين.
کشف معلومات صادمة عن إختفاء مليارات و عن عمليات فساد واسعة النطاق جرت خلال الاربعين عاما الماضية، هي حالة و وضع غريب جدا يدفع للتأمل بعمق، إذ أن النظام لم يقم أبدا بهکذا مراجعة و هکذا عملية جلد ذات، ومن الواضح إن التأثير الذي خلفته الانتفاضة الاخيرة و التي يؤکد النظام من إنه أخمدها و إنتهى أمرها، هي أکبر بکثير مما يدعيه و يزعمه النظام، إذ أن هذا النظام الذي کان أمام کل حالة خطر أو تهديد نوعي له وبعد أن يتجاوزه لايعمل على إصلاح الحالات التي أدت الى وصوله لمواجهة ذلك التهديد أو الخطر بل کان يقوم دائما بالهروب للأمام، لکنه وأمام إنتفاضة 28، ديسمبر/کانون الاول 2017، لم يکن هناك من أمام کي يهرب إليه وإنما إصطدمت الاجنحة ببعضها، وهو مايعني إنه آخر الخط ولم يبق هناك من مجال للهروب إليه.
إنتفاضة 28، ديسمبر/کانون الاول 2017، کانت مختلفة عن غيرها من حيث تأثيرها على النظام و دفعه للترنح لعدة أسباب لکن من أهمها:
ـ التنسيق و التعاون بين التحرکات الاحتجاجية و ترتيب الامور و الاتفاق في الشعارات و تحديد الاهداف و الخطوط العريضة للعمل في ضوئها.
ـ وجود قوة سياسية معارضة ذات خبرة و ممارسة کبيرة في مقارعة الديکتاتورية تقف خلف الانتفاضة و تشرف عليها و تقودها وهي منظمة مجاهدي خلق، المعروفة بعدائها الشديد للنظام و عزمها على إسقاطه.
ـ فشل نظام ولاية الفقيه، أو بالاحرى فشل الدولة الدينية کمشروع سياسي ـ فکري في إيران و رفض الشعب القاطع لها.








