
حلب الصامدة
سقوط حلب واحتلالها على يد قوات الحرس للنظام الايراني، ليس انتصارا لنظام ولاية الفقيه في سوريا ولا هزيمة للمقاتلين والمعارضين السوريين. بل يأتي ايذانا لمرحلة جديدة من الثورة السورية التي لا تلوح في أفقها بوادر النصر للنظام الايراني. وهي وتيرة يشكل فيها استمرار المعارك والصمود ومقاومة المقاتلين السوريين بمثابة العامل الحاسم.
لماذا نؤكد على استمرار المعارك وصمود المعارضين لحد الآن؟
كانت حلب تحت القصف الهمجي والمكثف لمدة 15 شهرا. وخلال هذه المدة قاومت قوات المقاومة في معركة لم يكونوا يمتلكون سلاحا مؤثرا في مقاومة الطائرات وكانت القوى العظمى والاقليمية قد أدارت ظهرها عليهم وحقا كانت مقاومتهم وصمودهم في التاريخ المعاصر فذا يستحق الاشادة.
في هذه المعركة لم يكن بجاب المعارضين السوريين أي حليف ومتحد ميدانيا. فيما كان في الطرف المقابل اضافة الى جيش الأسد كان النظام الايراني ومرتزقته من الميليشيات المؤتمرة بامرة قوات الحرس من حزب الله اللبناني وغيرهم من الجنسيات علاوة على الدعم الجوي المؤثر من الجانب الروسي بالاضافة الى جبهة لوجستية مفتوحة من العراق.
كما ان الحكومة الأمريكية وخلال الأعوام الثلاثة الماضية قد عملت بشكل خفي بالضد من المعارضين السوريين. وكتبت صحيفة اللوموند الفرنسية يوم 17 ديسمبر 2016 «في صيف2015 بدأ الثوار هجوما لفرض حصار على حلب والاستيلاء على الأحياء الغربية التي كانت تسيطر عليها القوات الحكومية. الا أن هذا الهجوم قد توقف في المراحل الأولى لأن واشنطن قد ضغطت على تركيا ودول الخليج لايقاف تسليم الأسلحة الى القوات المدعومة من قبلهما بين الفصائل الثائرة». كما «أن قاعدة آخرى للمقاومة في درعا بالقرب من الحدود الاردنية .. الاردن والولايات المتحدة … قد أجبرتا القوات المذكورة منذ مدة على تعليق القتال ضد النظام» (لوموند 14 ديسمبر 2016).
ورغم الظروف غير الملائمة فان القوات المقاتلة المقاومة قد أثبتت من خلال الصمود بأنها لم تتخل عن الكفاح. ما حصل في الأيام الماضية هو اخلاء حلب وليس قصم ظهر المعارضة المسلحة.
الواقع الأساسي في الحرب السورية هو وجود هذه القوة المقاتلة التي تقاوم منذ 5 سنوات رغم كل الجرائم ضد الانسانية لنظام ولاية الفقيه والقصف الوحشي والخيانات الغربية المفضوحة وهذا الواقع كان مستمرا لحد الآن وسيكون قائما في المستقبل بوتيرة عالية. في قضية سقوط حلب العامل الأساسي هو المعركة والمقاومة ولذلك نقول ان سقوط حلب ليس بمعنى هزيمة القوة المقاتلة للشعب السوري.
ولماذا نقول ان سقوط حلب ليس بمعنى انتصار للنظام الايراني؟
المؤشر الوحيد والأكيد لانتصار النظام هو تثبيت بشار الأسد وليس الا.
ومنذ 5 سنوات وبانتفاضة الشعب السوري واندلاع الثورة وحرب ضارية بأطراف مختلفة قد تغير الموازنة الاستراتيجية بالضد للنظام في سوريا وفي كل المنطقة. النظام ولاعادة هذه المعادلة قد تحمل خسائر كبيرة. كما انه قد صرف مبالغ طائلة من قوت الشعب الايراني في هذه الحرب والاحتفاظ ببشار الأسد صناعيا بتورطه في مستنقع لا أفق له بالنصر ولا مفر منه. ان التفوقات العسكرية لا تؤثر نوعيا على المعادلة الرئيسية. فسقوط حلب ظاهريا يحسب نصرا عسكريا للنظام ولكنه في الافق البعيد لا يعد انتصارا للنظام الايراني.
هل في المشهد السوري تتطابق مصالح النظام الايراني مع مصالح الحكومة الروسية؟
في اللعبة الدولية الواسعة فهذا الواقع يشكل حلقة أخرى من استراتيجية محددة بدأته روسيا منذ سنوات بابتلاع القرم وضم آجزاء من جورجيا واوكرانيا. الهدف من هذه الاستراتيجية تعويض ما خسرته روسيا الى حد ما من قدرتها كقوة عظمى سابقة.
الا أن النظام قد خسر آلافا من عناصر الحرس وصرف مبالغ باهظة في بوتقة الحرب السورية وأظهر وجه الطبيعي أمام أنظار العالم لاسيما شعوب المنطقة كقاتل لمئات الآلاف من آبناء الشعب السوري. ولكن الرابح الرئيسي في الثمن الباهظ كان روسيا.
هذا الاستنتاج نابع عن حقيقة سياسية وهي الاختلاف الكبير بين المصالح الروسية ومصالح النظام الايراني في المشهد السياسي. من الخطأ اذا افترضنا أن الحكومة الروسية والنظام الايراني هما نسختان من آصل واحد. روسيا لم تذهب الى سوريا لكي تقدم هذا البلد الى ولاية الفقيه. وانما تدخلت لأسباب تتعلق بمصالح محددة لها. منها أن تثبت مواقعها في الضفة الشرقية للأبيض المتوسط وتوسعها وأن تستفيد من موقعها في تعاملها مع أمريكا لارضائها بوقف العقوبات الاقتصادية على روسيا. وفور ارادتها أن تقايض في مسألة سوريا مع أمريكا فان النظام الايراني سيكون الخاسر.
هل يستطيع النظام الايراني أن يحتفظ ببشار الأسد؟
التناقض الكبير الموجود في المشهد السوري هو المصلحة الحيوية للنظام في حفظ بشار الأسد. بينما وجود بشار الأسد هو الدافع الأساسي لاستمرارية الانتفاضة والمعارضة.
والتناقض الكبير الآخر الذي يعمل ضد النظام الايراني هو أنه يحتاج الى استمرار تدخلات موسكو في سوريا لأنه بدون ذلك يفقد المشهد العسكري. كما في الوقت نفسه موسكو التي تفرض هيمنتها من الناحية السياسية تتجه لا محالة الى احتواء الحرب في سوريا.
مهما كان الحل في سوريا فهو تابع للتعارض الصارخ بين الشعب السوري وبشار الأسد. نصف مليون قتيل و10-12 مليون مهجر ومشرد وهذا الدمار الهائل الذي خلقه بشار الأسد في حلب وحمص وغيرها من المدن السورية، لا يقبل المصالحة اطلاقا وفي هذا الوضع المروع الذي هو يبقى يعمل كمصدر دائم للتوتر، فان استتباب الاستقرار في سوريا أمر لا يمكن تصوره بوجود بشار الأسد.
ولو كانت الهيمنة في سوريا بيد خامنئي فكانت الأوضاع تختلف بينما موسكو هي التي تقول كلمة الفصل بشأن الوضع في سوريا لذلك هي ولاحتواء الوضع مرغمة على القفز على بشار الأسد آجلا أم عاجلا.
فهل يمكن بعد احتلال حلب أن تنسحب الحالة على سائر المناطق في سوريا ويحتلها النظام واحدة تلو أخرى؟
في الوقت الحاضر تفرض المعارضة السورية سيطرتها على عدة مناطق واسعة بملايين النسمة حيث هي أكبر من مساحة حلب بعدة أضعاف:
محافظة ادلب كلها بثلاثة ملايين نسمة على أقل تقدير
الضفة الغربية لنهر الفرات على الحدود التركية التي استعادها الجيش الحر مؤخرا بمساعدة تركيا من داعش.
مساحات واسعة من محافظة درعا بمحاذاة الاردن
جزء صغير من شمال محافظة اللاذقية على الحدود التركية حيث تكتسب أهمية كبيرة استراتيجيا.
أجزاء واسعة من ريف دمشق
أجزاء واسعة من ريف حلب
من المستبعد أن تستطيع قوات الحرس ومرتزقتها من الميليشيات متعددة الجنسية أن تحتل بدعم جوي روسي وتكرار القصف هذه المناطق واحدة بعد أخرى وتستولى عليها وتسيطر على كل أراضي سوريا من جديد.
ما الخسائر التي تحملها النظام الايراني من واقعة حلب؟
النظام الايراني ولو كسب نجاحا عسكريا على الظاهر الا أنه تحمل خسائر وأخطار مهمة.
سقوط حلب قد أجج تناقضات في القوى الاقليمية وبالتحديد القوى العربية مع النظام الايراني.
قد ورط النظام أكثر من قبل في مستنقع الحرب في سوريا. وفي هذه الحالة يحتاج أن يتخذ الشاكلة السياسية الملائمة لنفسه داخل ايران. يحذف الجناح المتخاصم ويوحد شاكلة الحكومة وهذا بمعنى جعل النظام أكثر هشاشة يترتب عليه اندلاع انتفاضات في مختلف المدن الايرانية.
الخلاصة أن النظام وبفعل المجازر وارتكابه الجرائم ضد الانسانية قد احتل الأحياء الشرقية لحلب ولكن لا يلبث طويلا حتى يثبت أن هذا النجاح كان ساما ولو أن خبراء النظام بدأوا منذ الآن يصرحون بخصوص تداعيات واقعة حلب : «اننا نرى الوضع سوداويا تماما». (مير محمود موسوي خبير وزارة الخارجية للنظام – وكالة أنباء آريا 13 ديسمبر2016).








