الغد تي في -سارة نور الدين : كثير من التفاصيل التي مرت بها الثورة الإيرانية قبيل سقوط نظام الشاه، لا تزال موجودة على الأرض إلا أن قوتها تراجعت في ظل قبضة الإسلاميين المتشددين الذين وصلوا إلى السلطة على يد روح الله الموسوي الخميني عام 1979، والذي أسس نظام «الولي الفقيه» المتحكم في كل كبيرة وصغيرة في البلاد.
تكونت حركة مجاهدي خلق عام 1965 كحركة للمثقفين والأكاديميين للثورة ضد الشاه، وقاتلت كمجموعة مسلحة ساهمت في إسقاط النظام حتى هرب الشاه رضا بهلوي خارج البلاد، وما أن وصل الخميني للسلطة حتى بدأ بسلسلة إعدامات في صفوف «المجاهدين»، وتقدر بعض المنظمات تعداد من أُعدموا منذ 1979 حتى الآن نحو 10 آلاف إيراني.
اقرأ أيضا: الثورة الإيرانية.. إعدام المعارضين بدون محاكمة
في عام 1981، اضطر «المجاهدون» أمام تلك الأحداث لنقل مقراتهم إلى باريس، وهناك أسس مسعود رجوي الذي كان أصغر عضو في الحركة، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وفي 1993 انتخبت ابنته مريم رجوي رئيسة للمجلس، وبعد نضال في المحاكم شطب الاتحاد الأوروبي عام 2008 الحركة من قوائم المنظمات الإرهابية.
نبحث في حوارنا التالي مع موسى أفشار عضو المكتب السياسي للمجلس، مؤشرات وتداعيات تراجع تيار المتشددين في إيران، عقب خسارتهم للمرة الأولى لانتخابات مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة التي أجريت الجمعة الماضية.
هل ترون أن صعود تيار الإصلاحيين سيغير من السياسة الإيرانية داخليا؟
يعرف الجميع أن نظام ولاية الفقية يحكم إيران وهذا النظام دستوريا وضع جميع الصلاحيات خاصة في رسم السياسات الخارجية والداخلية بيد المرشد، إضافة إلى ذلك فإن رئيس السلطة القضائية يعينه الولي الفقيه ورئيس السلطة القضائية هو الذي يعين بدوره 6 أعضاء من مجلس صيانة الدستور الذي ينظر في أهلية المرشحين في الانتخابات البرلمانية لمجلس الشورى، فعمليا يسيطر الولي الفقيه على السلطتين القضائية والتشريعية بصورة غير مباشرة.
إن المؤسسات الأمنية والعسكرية والإعلامية لإيران جميعها تعمل تحت إمرة الولي الفقيه، وهو الذي يعين قادتها ومدراءها فضلا عن المؤسسة الدينية التي يرأسها شخصيا بشكل مباشرة وهي تشمل جميع أئمة الجوامع وخطباء صلوات الجمعة والمنابر الدينية والحسينيات الأخرى، من جهة أخرى ما سُمي بتيار الإصلاحيين في الحقيقة هو جزء من النظام نفسه، بعض الأسماء الموجودين في قائمة ما يسمي بالإصلاحيين والمعتدلين متورطون في جرائم النظام.
رئيس لإيران الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني مع عدد من أعضاء التيار «المعتدل» الفائز بالانتخابات- رويترز
رئيس لإيران الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني مع عدد من أعضاء التيار «المعتدل» الفائز بالانتخابات- رويترز
مثل من هؤلاء «المرشحون المتورطون»؟
مثلا على سبيل المثال لا الحصر: محمد محمدي ري شهري، كان أول وزير مخابرات لإيران وهو الذي نفّذ الاعدام بحق العديد من رجال الدين المعارضين للنظام في مدينة قم، وهو الذي قام بوضع آية الله منتظري تحت الإقامة الجبرية حتى موته، وكان ضالعاً في تنفيذ عمليات الاغتيالات ضد رموز المعارضة خارج إيران.
وكذلك قربان علي دري نجف آبادي، الذي كان أيضا وزير المخابرات في حكومة خاتمي ودبر عمليات سلسلة الاغتيالات السياسية داخل ايران ضد الكُتاب والمثقفين، وبعد كشفها اضطر للاستقالة من منصبه، بالإضافة إلى أن من أصدر فتاوى هذه الاغتيالات هو علي رازيني، وهو من قضاة الشرع الذي قام بإعدام مئات الأشخاص من المناضلين وهو الذي طبق عملية الرجم ضد 3 أشخاص، واستطاع معارضون تسريب مقاطع مصور لهذه العملية، وكان الأمر الذي هزّ العالم وقتها.
ماذا عن السياسة الخارجية الإيرانية.. هل ستتغير بعد صعود الإصلاحيين؟
السياسة الخارجية لإيران تُرسم وتُحدد بواسطة الولي الفقيه، وحسب الصلاحيات التي أقرها له دستور، ولاية الفقيه سيتحكم في كل شيء وإن تغيّر رئيس الجمهورية أو وزير الخارجية، فالنظام يعتبر جميع العاملين في مؤسسة الحكم سواء حملوا صفة المنتخب أو لا فإنهم من البداية ترشحوا بتزكية مجلس صيانة الدستور، ويشترط الترشح في الأساس الولاء الكامل فكريا وعمليا للولي الفقيه، لذلك فإن السياسة الخارجية لن تتغير بتغيُر المنفذين، أو من يجلس في مجلس الشورى باعتباره السلطة التشريعية.
هل تعتقدون أن هناك أملا في إصلاح ما يحدث في إيران؟
في الحقيقة بعد مرور 37 عاما على «ولاية الفقيه» وبعد كل الدمار والقتل والإعدامات والانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، علاوة على الدمار الاقتصادي الذي ألحقه بالبلاد وإنفاقهم مئات الميليارات من الدولارات على أمور تتعلق ببقائهم في السلطة ليس إلا، مثل البرنامج النووي والمشروعات الخاصة بالتدخلات العدوانية للنظام في كل من اليمن وسوريا ولبنان والعراق، وبعد تجاوز نسبة الفقر لأكثر من 85% من الإيرانيين، لم يبق هناك مجال للإصلاح، الإصلاحات سراب لخداع الناس وتبرير سياسة المسايرة والمهادنة التي يعتمدها الغرب لعقد الصفقات والانتفاع بالتجارة مع هذا النظام، وكما أكد زعيم المقاومة الإيرانية السيد مسعود رجوي مرارا فإن الأفعى لا تلد الحمامة، والأمل الوحيد ليس في الإصلاح، وإنما التغيير الشامل الذي يمر بإسقاط نظام الملالي برمته على يد الشعب الإيراني.
ماذا عن سياسة الرئيس حسن روحاني.. ماهي أبرز السقطات أو الأخطاء؟
«المُلا» حسن روحاني جاء في منصب الرئاسة بشعار تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطن الإيراني وإعادة الازدهار للاقتصاد من خلال رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام الإيراني باعتبارها حالة ناتجة عن استمرار النظام بمشروعه النووي، ومضت قرابة ثلاثة سنوات على حقبة رئاسة روحاني إلا أنه فشل في تحسين الأوضاع الاقتصادية والسبب هو أن واقع التدهور الذي أصاب الاقتصاد لا يعود لفرض العقوبات الدولية في الأساس، بل بسبب لأن مؤسسة الحرس الثوري يعتبر هو القطب الاقتصادي رقم واحد في البلاد، وهي مؤسسة سيطرت على عدد كبير جدا من عمليات التصدير والاستيراد خلال العقود الماضية فضلا عن أن معظم الاستثمارات الرئيسية في البنى التحتية والمواصلات وإنشاءات الطرق والمطارات والموانيء وغيرها في مجال الصناعة والزراعة والخدمات في قبضة هذه المؤسسة، وهي أيضا مرتبطة مباشرة بالولي الفقيه، ولا تستطيع حكومة روحاني أو غيره حتى الحصول على ضرائب منها، وبالتالي فإن التحسن الحقيقي للاقتصاد يبدأ من حَل هذا المؤسسة وهو ما لن يحدث إلا بإسقاط النظام.
ولكن ماذا عن المليارات التي ستستردها إيران من الولايات المتحدة؟
الـ50 مليار دولار التي ستحصل عليها طهران من الأموال المجمدة حسب الاتفاق النووي، ستنفق لصالح عمليات النظام في اليمن وسوريا ولبنان ومناطق أخرى، وبالتأكيد لن تصل أدنى حصة منها لخدمات للمواطن، من جهة أخرى ارتفع عدد الإعدامات في عهد روحاني إلى فوق 2300 حالة إعدام مع استمرار الكبت والتنكيل بالصحافة، وحتى خطوط الإنترنت، فضلا عن فرض اضطهاد مزدوج على الأقليات القومية والدينية، وبالتالي يحمل روحاني سجلا أسود في مختلف المجالات.
هل سيتوقف برنامج إيران فعليا بعد الاتفاق مع القوى الكبرى؟
لقد تراجع الولي الفقيه عمليا عن خطوطه الحمراء والتي كان قد وضعها منذ بدء المفاوضات عام 2013، فقبِل بجملة إجراءات تؤدي في محصلتها إلى تجميد النشاطات النووية لمدة تتراوح بين 10 و15 عاما، بحسب الاتفاق، وسيتوقف البرنامج لكن ستبقى بعض المقومات الأساسية له، خاصة تلك المواقع النووية التي تشمل منشآت نووية، أما البرنامج السري فسيواجه تحديا كبيرا بزيارات يقوم بها مفتشون دوليون، وفي الحقيقة كان بإمكان النظام العمل على برنامجه السري إلى جانب برنامجه العام للمشروع النووي بشكل موازٍ لكنه يعي تماما أن ذلك سيعرض الاتفاق للانهيار، لذا لا أعتقد أن هناك مجالا لنشاطات نووية سرية.
هل ترى أن صعود الجمهوريين في الولايات المتحدة وصعود الإصلاحيين في إيران سيغير العلاقات بينهما؟
بلدان الشرق الاوسط، شأنها شأن بلدان أخرى، تضررت كثيرا جراء الاستراتيجيات الخاطئة التي اعتمدتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة سياسة التخاذل والمسايرة مع نظام الملالي الحاكم في إيران، لذلك لا يمكن الرهان على واشنطن بغض النظر عن بعض فروقات بين الأحزاب الأمريكية الرئيسية، غير ان المشكلة تكمن بدرجة أساسية في الجانب الإيراني، لأن هذا النظام لا يريد ولا يستطيع أن يتجه نحو سياسة الانفتاح مع الغرب لأن ذلك في الخطوات المتقدمة سيؤدي إلى انهياره.
كيف ترون تورط إيران في سوريا؟
التدخل لصالح إنقاذ الرئيس السوري بشار الأسد ليس تدخلا سياسيا وعسكريا وأمنيا فقط، فالنظام الإيراني يخوض معركة الوجود أو اللاوجود بالنسبة له، وأكد كثير من قيادات النظام دوما أنهم يضحون بأعلى مستويات القيادة للحرس الثوري في سوريا والعراق وكأنهم يضحون بهم في طهران، وهذا يفسر بوضوح استحالة انسحاب الملالي من سوريا، وبالرغم من أن إيران استنجدوا بروسيا للتدخل عسكريا في سوريا من أجل إنقاذ بشار الأسد.
كيف تقيّمون العلاقة بين السعودية وإيران الآن بعد الأحداث الأخيرة؟
قرار المملكة السعودية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الإيراني صائب وضروري، ومن وجهة نظرنا، فقد جاء متأخرا جدا، لأن السياسة الصارمة التي اعتمدتها المملكة العربية السعودية تجاه نظام الملالي وبرزت ذلك في عاصفة الحزم في اليمن، فلو كانت فعلت ذلك عند تدخل الملالي بقوة القدس في العراق ثم في سوريا مباشرة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، لما استطاع النظام الإيراني أن يتمدد في المنطقة بالشكل الذي نراه الآن، لذلك فإننا نرى أن السياسة الصارمة التي أصبحت المملكة العربية السعودية تعتمدها كما نراها بحاجة في المرحلة القادمة إلى المناشدة والمطالبة بقطع اذرع نظام ولاية الفقيه في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وثانيا دعم المعارضة الإيرانية منظمة مجاهدي خلق الإيرانية باعتبارها العنصر الإيراني في قلب معادلة الاصطفاف الإقليمي في مواجهة نظام الملالي في إيران.








