المستقبل – جهاد الرنتيسي: يحتفظ المناخ السياسي العراقي بقدرته على توليد ازمات جديدة من الازمات القائمة ومنح الوليدة شروط بقائها في المشهد مع تمترس الوالدة في خلفية الحدث من دون حلول لتتحول التطورات المتلاحقة الى كتلة خيوط متشابكة قد يكون البحث عن ابرة في كومة قش اسهل من التفكير في تفكيكها.
الحشد الشعبي من ابرز مفاصل متوالية الازمات العراقية العالقة بين التجاذبات الدولية والاقليمية المرتبطة عضويا بتناقضات الصراعات الداخلية المبنية على ارث من غياب الثقة.
يؤشر على ذلك لهاث رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي لتعميق حضور الحشد في ما تبقى من عملية سياسية ـ تنتظر الدفن بعد ان لفظت انفاسها الاخيرة ـ والاستقواء به على خَلَفه حيدر العبادي في معركة كسر العظم التي قطعت شوطا واسعا في طريقها الى الذروة مع مرورها بمحطتي اطلاق الاصلاحات السياسية واخضاعها للرقابة البرلمانية.
تسريبات بعض قوى التحالف الوطني الحاكم في العراق تشير الى تحركات يقوم بها المالكي لتحويل الحشد الشعبي الى حصان يجر عربته التي انهكها استئثاره بالسلطة خلال ولايتين رئاسيتين.
والتصريحات التي يدلي بها رئيس الحكومة العراقية السابق لتضخيم دور الحشد الشعبي في التصدي لداعش تعزز فرضية سعيه للعودة الى سدة السلطة من خلال خوض انتخابات مجالس المحافظات والبرلمان المقبلة بقائمة «الحشد المقدس» المقرر ان تضم قوى التحالف الاقرب لايران.
تحضيرات المالكي للقائمة التي يجري الحديث حولها لم تبدأ من شروعه في اجراء مشاورات بشأن تشكيلها بقدر ما هي خلاصة لتقاطعات وتفاعلات داخلية عراقية مع التطورات التي تمر بها المنطقة.
ففي الاسابيع الماضية قطعت خطوات الزج بالجيش الشعبي الى الواجهة السياسية العراقية شوطا واسعا مع تسريب رسالة وجهها ابو مهدي المهندس احد اقطاب مثلث قيادة الجيش الى حيدر العبادي.
الرسالة التي ترافقت مع تداعيات اقالة العبادي للمالكي من موقعه كنائب لرئيس الجمهورية تجاوزت مضمونها المتشعب بين طلب زيادة الموازنة المخصصة لفصائل الحشد الشعبي وتخصيص مقر رئيسي ومعسكرات ومراكز تدريب وتأكيد الاستقلال عن الحكومة وتشكيل هيئة اركان تضمه والجيش النظامي والشرطة.
فقد جاءت استكمالا لبيان اصدره مثلث قيادة الحشد الشعبي الموالي لايران ابو مهدي المهندس وقيس الخزعلي وهادي العامري حذروا فيه من الموافقة على قانون الحرس الوطني الذي ينص على تجنيد مقاتلين من المحافظات السنية ينحصر عملهم داخل المحافظات ويتبعون المحافظ.
تلتقي الرسالة والبيان في ثلاث دلالات رئيسة تتطابق بشكل او بآخر مع ما يفكر به نوري المالكي وهي التضاد مع اجندة العبادي وتعزيز حضور الحشد الشعبي في المعادلة السياسية العراقية باعتباره اداة لمراكز قوة موازية للحكومة ورفض التخلي عن اية هوامش او صلاحيات انتزعت بفعل الظروف التي رافقت المواجهات المسلحة مع داعش.
المؤشرات المعلنة لم تكن الوحيدة التي تدلل على رغبة المثلث المقرب من ايران في تحويل الحشد الشعبي الى مركز قوة فاعل في اعادة ترتيب المشهد السياسي العراقي.
ففي الكواليس العراقية حديث واسع عن شواهد تدلل على محاولات يقوم بها الحشد الشعبي لتفريغ الجيش النظامي العراقي من الداخل والاستيلاء على اسلحته تمهيدا لابتلاعه او تهميشه اذا لم يكن الابتلاع ممكنا.
من بين هذه الشواهد دمج الاف من العناصر التابعة لمليشيات قوى التحالف الوطني في الجيش العراقي مع ابقائهم في الحشد الشعبي مما يعني تعويم الاول واتاحة الفرصة امام الثاني للتغلغل فيه.
الى جانب صيغة التعويم والتغلغل الاخذة في الاتساع يكثف مثلث قيادة الحشد الشعبي جهوده لاستغلال تشوهات صورة الجيش النظامي بعد الهزائم التي لحقت به في الاستيلاء على معداته وذخائره.
النجاح الذي حققته تحركات مثلث القيادة ارتبط بالحاضنة التي وفرتها قوى التحالف الوطني الاقرب لايران وكتلها النيابية التي تعمل تحت قبة البرلمان على قوننة الحشد وتحويله الى قوة نظامية.
كما عملت ايران على ابراز دور الحشد الشعبي باعتباره القوة القادرة على تحقيق انتصارات من خلال الدفع بقوات الحرس الثوري لمساندته في الحرب على داعش الامر الذي ظهر واضحا خلال المعارك التي جرت في بيجي.
ولم يخل الامر من اجندات ثانوية عملت قوات الحرس الثوري الايراني المساندة للحشد على تنفيذها حيث شهدت الاسابيع الماضية هجوما صاروخيا على معسكر «ليبرتي» الذي يسكنه لاجئون ينتمون لمنظمة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة تبناه حزب الله العراقي.
المراحل التي مر بها الحشد الشعبي العراقي منذ تأسيسه تكشف عن تحولات واسعة في مساره الذي بدأ مع فتوى اصدرتها مرجعية علي السيستاني في النجف لمواجهة التمدد الداعشي سرعان ما افرغتها القوى والمليشيات الاقرب لايران من محتواها ليتحول المشروع برمته الى مركز قوة يتبع التحالف الوطني الذي تتشكل الحكومة بناء على توازناته.
يأتي تحول فكرة الحشد من اداة مفترضة في يد الحكومة تساند القوات النظامية المهزومة الى حصان طروادة تستخدمه القوى الاقرب الى ايران مع صراعات حادة في التحالف الوطني قد تؤدي الى اعادة تشكيله لصالح قواه الاكثر تطرفا.
كما يترافق مع تحولات اقليمية تدفع الجانب الايراني الى جهود مضاعفة لتقليص حضور الخصوم الاقليميين في العراق من خلال اعادة التموضع لا سيما وان السياسة الايرانية تواجه صعوبة في اعادة ترتيب البيت العراقي بالشكل الذي يتلاءم مع توازنات ما بعد توقيع الاتفاق النووي مع الغرب.
ومن الواضح ان للتجاذبات العراقية بشأن الحضور الروسي في المنطقة امتداداتها التي تتجاوز تصفية الحسابات الداخلية ما يعني ادراك الجانب الايراني امكانية استخدام ورقة التحولات الدولية المتعلقة بالملف السوري في الضغط على الجانب الاميركي وتحقيق مكاسب في العراق.
انتقال الحشد الشعبي من حالة الى اخرى ودخوله في معادلات سياسية غير مستقرة وسط تحولات اقليمية ودولية يعطيه قوة ترجيحية في الصراع الداخلي العراقي ـ سواء المتعلق بالاصطفافات البينية في التحالف الوطني او بعلاقة المحور الشيعي مع غيره من المكونات الطائفية والعرقية ـ تنعكس بشكل تلقائي على توازنات التجاذبات الاقليمية والدولية في العراق ما يعني استبعاد تفويت بقية اطراف اللعبة لهذه النقلة وفتح احتمالات تصعيد يفضي لمعادلات جديدة.
() كاتب من الأردن








