السياسة الكويتية -داود البصري: ما يحدث في العراق حاليا من عمليات تصفية وتطهير طائفية مريعة هو أمر غير مسبوق في تاريخه المعاصر الحافل بالكوارث والمنعطفات الدموية الساخنة الحادة. فتحت شعار الانتقام من جماعة” داعش “التي اكتسحت مناطق واسعة من الشمال العراقي صيف العام الماضي, وبلغت الذروة بسقوط الموصل وصلاح الدين وخروجها عن سيطرة الدولة المركزية وتدمير الجيش الحكومي والنتائج التي ترتبت على ذلك وأهمها تضعضع هيبة الدولة وهشاشة أجهزتها الأمنية والعسكرية,
وانكشاف جبال الفساد الرهيبة التي طبعت سيرة ومسيرة حكومة نوري المالكي التي كانت أكثر حكومات الفساد في تاريخ العراق الحديث مما أدى في النهاية الى حلقات صراع داخل تحالف السلطة الحاكم, تمخض عن تعديل حكومي عبر إسقاط نوري المالكي وتكليف أحد قيادات حزبه “الدعوة” وهوحيدر العبادي بتشكيل الحكومة التي كانت مهمتها الأساسية انقاذ الموقف وترميم مايمكن ترميمه في ظل مساندة إقليمية ودولية , ولكن مع سقوط حكم المالكي سقطت أشياء كثيرة وأهمها فقدان السيطرة العسكرية بعد أن ساهمت التطورات الميدانية في إسناد المهمات الأمنية والعسكرية للميليشيات الطائفية التي تغولت وتضخمت مستغلة الغطاء المرجعي والمذهبي, ودخول النظام الإيراني مباشرة على الخط من خلال الحرس الثوري الذي تولى القيادة الميدانية وإدارة معارك الدفاع عن بغداد نفسها, كما أعلن الوزير السابق وقائد ميليشيا الحشد الشعبي الحالي هادي العامري الذي هو أصلا قائد فيلق بدر الذي هو أحد أجنحة الحرس الثوري الإيراني في العراق .
العامري أعلنها بوضوح ومن طهران تحديدا بأنه لولا الحرس الثوري ما كانت الحكومة قائمة في بغداد اليوم, وهو تصريح خطير وغير مسبوق في تاريخ العراق السياسي, ويعني أن النظام العراقي مدين بوجوده واستمراريته ليس لمؤسساته الأمنية والعسكرية التي صرفت عليها مليارات الدولارات, بل لجهود قيادات الحرس الثوري الذي خسر العديد من قياداته كحميد تقوي ومرجاني ومئات القتلى , وحيث إتجهت الأوضاع الميدانية العراقية اتجاها خطيرا وطائفيا بعد اللجوء للميليشيات الطائفية والبالغ عددها أكثر من أربعين تنظيما ميليشياويا مسلحا وتحت القيادة الميدانية الإيرانية التي تعمل بصفة استشارية وحيث تم تكليف أحد العناصر العراقية المطلوبة بتهم الإرهاب الدولي وهو أبومهدي المهندس بالقيادة الميدانية لتلك الميليشيات التي دخلت المعركة ضد التنظيمات المسلحة في المناطق السنية, وهي تحمل عقلية ثأر طائفية مؤسفة تميزت بإثارة نعرات الإنتقام وأخذ الأبرياء بجريرة المذنبين مع ممارسة سلوكيات غير سوية في التعامل مع السكان المدنيين, واعتبارهم أعداء وليسوا أبناء وطن وخروج أمر إدارة العمليات العسكرية وقواعد الاشتباك من أيدي وزارة الدفاع لصالح قيادات ميليشاوية طائفية متطرفة ارتكبت فظائع مريعة من عمليات القتل, والاغتصاب, ومصادرة الأراضي, ونهب البيوت ومن ثم الإعلان الصريح والمباشر عن سياسة تطهير طائفية وإحلال ديموغرافي, وإضطهاد غير مقبول لأبناء السنة في عمليات لايمكن وصفها سوى بعمليات إبادة شاملة وممنهجة ومخططة بإمعان من خلال غرفة عمليات بلغت الذروة مع قيام الميليشيات, وأمام عيون ضباط الجيش العراقي, بقتل أكثر من سبعين عراقيا في قرية بروانة التابعة لمحافظة ديالى, من دون تجاهل أن أبناء السنة قد منعوا من العودة لمنازلهم في مدينة الضلوعية, وتم استبدالهم بعوائل شيعية في ممارسة أقل ما يقال عنها أنها أسلوب نازي مرفوض .
عمليات القتل الشامل واستئصال أبناء السنة جرت أمام عيون العالم, مما أحرج الحكومة العراقية العاجزة عن الفعل الصريح والواقعة تحت سيطرة الميليشيات, وحيث طلب حيدر العبادي تشكيل لجنة تحقيق للتأكد من الأمر! وهي عملية مراوغة مكشوفة فاللجان التحقيقية العراقية عادة ما تطمر نتائجها, ولا تظهر حقائقها للعالم! إستئصال أهل السنة بات هو المنهج المعتمد لدى القيادات الطائفية المتطرفة التي تغول تأثيرها وتركز بدرجة جعلت وزير الدفاع خالد العبيدي لا يستطيع السيطرة بعد أن إنفرد هادي العامري بإصدار وتنفيذ كل القرارات الميدانية بعد أن أصبح الآمر الناهي .
المشكلة تكمن في كون العمليات العسكرية المقبلة في محور صلاح الدين وكركوك وصولا للموصل ستتميز حتما بمجازر مريعة ستتبعها بكل تأكيد عمليات تطهير طائفية مروعة ستفجر العراق بالكامل وقد تدفع أطرافا إقليمية أخرى للتدخل مالم تستعيد الحكومة المركزية سلطتها ,وهو أمر مستبعد.
عمليات إستئصال السنة في العراق قد تكون بمثابة المفجر الذي سيهشم العراق والمنطقة , أيام سوداء مقبلة مالم تتغير عقلية وطبيعة من يدير ملف إدارة الصراع العراقي المفتوح على جميع الاتجاهات الخطرة!.
* كاتب عراقي








