المستقبل العربي – سعاد عزيز : يمر العراق بمرحلة يمکن أن نصفها ببالغة الخطورة و الحساسية، خصوصا بعد أن صارت للمسائل الطائفية و العرقية و الدينية و الفئوية دورا أکبر من أي دور آخر، فلم تعد هنالك مفاهيم وطنية او إنسانية وانما تطغي عليها موجة مفاهيم جديدة تحرف من قضية الانتماء للوطن و الاخلاص له الى قضايا أخرى ذات بعد ضيق.
العراق يجد نفسه أمام خيارين هما في الواقع خطرين محدقين به، لأنهما يعتمدان على منهج تعسفي إقصائي، وهما تنظيم داعش و الميليشيات الشيعية، ولکل منهما صولاته و جولاته و تأريخه الدموي”غير المشرف” على حساب الشعب العراقي، وان إستتباب الامر و حسمه لصالح أي منهما لايخدم بالمرة مصالح الشعب العراقي و ليس يصب في صالحه أبدا، لأن لکل منهما أهداف و غايات و أفکار و طموحات متعارضة و متناقضة تماما مع نظائرها لدى الشعب العراقي.
شعور القلق و التوجس لدى الشعب العراقي عموما و الطائفة السنية خصوصا، بدأ يتجسد أکثر مع التقدم النسبي الحاصل في الحرب ضد تنظيم داعش إذ لاتخلو من مستجدات و تطورات بالغة السلبية يجب التحسب من عواقبها لأنه وبعد أن تم تحرير مناطق و مدن عراقية من قبضة التنظيم المتطرف، فإن سکانها وجدت نفسها تحت إحتلال ميليشيات شيعية لاتقل عن تنظيم داعش تطرفا و إرهابا و قسوة في التنکيل بالناس و قتلهم و قمعهم بلاهوادة ولأتفه الاسباب.
الفتنة الداعشية التي تلم حاليا بالعراق، لايمکن عزلها أبدا عن الظروف الذاتية و الموضوعية التي تحيط بالعراق و المنطقة و التي يکاد أن يکون النظام الايراني فيها الطرف الاکثر ظهورا و لفتا للأنظار، خصوصا وانه من خلال نفوذه و هيمنته الکاملة على العراق و دولا أخرى في المنطقة، يملك الکثير من الخيارات للعب و توجيه الاحداث و الامور بالشکل و المضمون الذي تبتغيه مصالحه و أجندته و مخططاته الخاصة، ولايعتقد المطلعون و المختصون بالشأن الايراني في العراق و المنطقة من أن ليس هناك ثمة تفاهم و تنسيق محدد بين طهران و داعش، خصوصا وان مثل هذا الامر قد حدث قبل أعوام عندما کان نظام الاسد على مشارف السقوط و فجأة دخل تنظيم داعش کطرف مٶثر في مجريات الامور وکان له دور سلبي و بالغ الحقارة في تغيير دفة الامور لصالح نظام بشار الاسد، واليوم ليس هناك مايمنع من قيام تنسيق و تفاهم آخر بنفس السياق بين الطرفين يضمن لهما مصالحهما.
تنظيم داعش من جانب و الميليشيات الشيعية من جانب آخر، ينشبان مخالبهما الکريهة في الجسد العراقي بإشراف و توجيه النظام الايراني کمايسترو للطرفين، تعملان معا على إشعال فتنة طائفية بغيضة لايمکن حصر نتائجها النهائية و تطوراتها اللاحقة على العراق فقط وانما ستتعداه الى عموم المنطقة، وان مبتدئ في السياسة لو يدقق في الامر من مختلف جوانبه فإنه يجد في النهاية النظام الايراني المستفيد الاکبر من هذه التطورات و هذه الفتنة القذرة التي تحدث في العراق.








