دسمآن نيوز- مثني الجادرجي : خلال الفترة الاخيرة، شهد العالم تحقيق تقدم ملموس لقوات الجيش العراقي و القوات الکردية و تراجعا ملحوظا لقوات تنظيم داعش الارهابي بحيث لم يعد بوسعها القيام بالهجمات المستمرة کما کانت تفعل في السابق، وعوضا عن ذلك باتت نوعا ما تعتمد سياسة دفاعية تطعمها أحيانا ببعض الهجمات المحدودة ماعدا تلك الهجمة الکبيرة التي قامت بها في الرمادي.
تراجع داعش و إتجاه الامور و الاوضاع العسکرية الى مايشبه إلحاق الهزيمة به و طرده من العراق، قابله على الجانب الآخر إخفاق و فشل ذريع في التوصل الى الاتفاق النهائي الذي کان منتظرا بعد إتفاق جنيف المرحلي في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، والذي کان يلفت النظر في هذه المفاوضات هو تعنت الوفد الايراني و عدم تزحزحه عن مطالبه طوال أيام المفاوضات الثلاثة في فينا، وهو أمر لاحظته العديد الاوساط السياسية و أخذته بعين الاعتبار خصوصا وان هناك علاقة أکثر من وثيقة بين سياق و إتجاه المفاوضات المتعلقة بالملف النووي الايراني من جهة و التطورات و مستجدات الاحداث في المنطقة خصوصا تلك المتعلقة منها بالعراق و سوريا و لبنان حيث تعبر اساس و مهد النفوذ الايراني في المنطقة.
إزاحة المالکي و ليس تنحيه کما يطلق عليه من باب الکياسة، کانت بمثابة ضربة موجعة لمشيئة و ارادة النظام الايراني في هذا البلد، وهو قد تزامن مع الرفض الدولي للمساهمة الايرانية(المشروطة)، في الحرب الدولية ضد داعش، مثلما ان تضعضع القدرة القتالية لقوات النظام السوري و تراجعها في العديد من المناطق الى حد التقوقع على نفسها، کل هذا قد کان بمثابة رسائل غير مطمئنة للنظام الايراني، وانه لو کان قد أبدى الليونة اللازمة و تم التوصل الى الاتفاق النهائي، فإن ذلك کان سيضر به کثيرا حيث سيجعل من موقفه داخليا و إقليميا ليس ضعيفا وانما حتى هزيلا.
خلال الايام الماضية کانت هنالك الکثير من التصريحات و التطورات الملفتة للنظر، أهمها إعتراف هاشمي رفسنجاني بأن النهج و الممارسات الطائفية من جانب نظامه هي التي سمحت بولادة داعش و تنظيمات أخرى متطرفة، کما ان مستشار وزارة الخارجية الايراني”محمد علي سبحاني”، قد إتهم هو الاخر في تصريحات له نائب رئيس الجمهورية العراقي الحالي، نوري المالكي، باتباع سياسيات مذهبية خلال فترة رئاسته للحكومة، ما أدى إلى تشكيل حاضنة لتنظيم “الدولة الاسلامية”، لکن الاهم من هذين التصريحين الخطيرين ماقد أوردته تقارير خبرية بشأن تورط إيران في شراء النفط من داعش و تسريب او بيع الاسلحة له، وهو برأي المراقبين مسعى إيراني للحيلولة دون تحقيق نصر على داعش مما يجعل الحاجة لإيران من قبل الشيعة العراقيين بشکل خاص غير ذات أهمية، وهو ماسيحدث حالة من التخلخل و عدم التوازن في موقف و وضع النظام عراقيا و إقليميا.
العلاقة التي تربط بين تنظيم داعش و بين أهداف و نوايا النظام الايراني و مخططاته في المنطقة، هي کثيرة و متشابکة على الرغم من الاختلاف الکبير بينهما، لکن لغة المصالح و حساسية و خطورة الاوضاع تدفع عادة بالمتضادين و المتخالفين کي ينظروا في إتجاه واحد يکون مفيدا لکلاهما، لکن الغريب انه ومع التعنت الذي أبداه وفد النظام الايراني في مواقفه و بالتالي عدم التوصل لإتفاق نهائي، فإنه قد خرج من المفاوضات بما يمکن وصفه بمکسب سياسي مهم وهو تمديد المفاوضات النووية و جعل أواخر تموز/يوليو القادم موعدا نهائيا لها، وقد أکدت الزعيمة الايرانية المعارضة مريم رجوي في تصريح لها بخصوص ذلك بأن تمديد المفاوضات النووية لمدة 7 شهور يمنح المزيد من الفرصة للنظام الايراني ليقود السلام والأمن الاقليمي والدولي الى حافة هاوية خطيرة، مشددة على أن الطريق الوحيد لإبعاد النظام الايراني عن القنبلة النووية يتطلب تنفيذ كامل غيرمنقوص لقرارات مجلس الأمن الدولي ووقف كامل لتخصيب اليورانيوم ووصول حر للمفتشين الدوليين الى المواقع والمؤسسات المشبوهة للنظام. وذلك لن يتحقق الا ياعتماد سياسة صارمة متضمنة بفرض عقوبات شاملة عليه.
لکن يبقى الامر المهم الذي يجب أن نتابعه و نضعه في الحسبان هو مجريات الامور في الحملة الدولية ضد داعش و ماستحققه على أرض الواقع، خصوصا من حيث تأثيرها على الاوضاع السياسية و الامنية و مايتداعى عنهما، ولهذا فإنه يجب الانتباه جيدا بأن هذه المرحلة ستکون لها مميزاتها و خصوصياتها وقد تحدث فيها الکثير من التطورات، ومن المرجح أن النظام الايراني سيتحسب من کل ذلك و سيأخذ إحتياطاته اللازمة في ظل حالة الارخاء الدولية تجاهه و التي ستنقلب وبالا على المنطقة و العالم لو لم يتم تدارکه في الوقت المناسب.
مثنى الجادرجي








