ايلاف – نزار جاف: عند حدوث حالات وفاة قادة و زعماء أنظمة استبدادية، خصوصا عندما لايکون هناك البديل المناسب، فإنه تحدث حالة من البلبلة و التخبط، کما کان الحال في إيران بعد وفاة الخميني و في سوريا بعد وفاة حافظ الاسد، ففي الحالتين، سعت الدائرة الضيقة للنظامين الاسراع في إيجاد بديل مناسب يضمن إستمرار النظامين و ليس أي شئ آخر.
في سوريا تلاعبوا بالدستور، أما في إيران فقد جرى أمر مشابه تقريبا عندما شعروا بخطورة فراغ منصب الولي الفقيه، وتم إختيار خامنئي و بصورة دراماتيکية استثنائية لعب رفسنجاني الدور الاکبر في عملية الاختيار وتم تخطي شرط کون الولي الفقيه مرجعا للتقليد و جعله يشمل أيضا المجتهد، حيث کان خامنئي مجتهدا ولايملك حتى ذلك الوقت رسالة خاصة به کأي مرجع للتقليد، وکانت عملية غريبة بمستوى غرابة عملية الاقصاء الفجائي للمنتظري من منصبه کنائب للخميني، حيث کان واضحا أن هناك أمرا غير عادي يجري خلف الستارة و بعيدا عن الاضواء، ويمکن القول بأن منصب الولي الفقيه قد کان منذ البداية أثقل و أکبر من حجم و قدرة و إمکانية خامنئي کما إتضح ذلك لاحقا وأثبتت بإستحالة إستمرار هذا النظام کما کان مقررا له، ذلك أن وقوع الخلل في أعلى هرم النظام شکل في حد ذاته أکثر من علامة إستفهام و تعجب على هذا النظام.
لم يکن من السهل على خامنئي أن يمضي بمرکب ولاية الفقيه کما کان الحال مع ربانه السابق الخميني الذي کان يحظى بمواصفات و صفات بعيدة جدا عن خامنئي، ولو أعاد التأريخ نفسه وکان خامنئي ممسکا بزمام الامور في نفس فترة حکم الخميني، لکان لنظام ولاية الفقيه الان شأنا آخرا بل وحتى کان قد أصبح على رفوف الذکريات، ومع ان خامنئي کان محاطا بقوات الحرس و التعبئة و الاجهزة الامنية و يهيمن عليها بقوة، لکنه مع ذلك لم يتمکن من أن يصبح قوة کاريزمية ذات هيبة بحيث تمنع نشوء التيارات و الاجنحة داخل النظام الاسلامي القائم، وقد کان هناك دائما دورا مميزا لحليفه و رفيق دربه و مهندس إيصاله لمنصب الولي الفقيه رفسنجاني، الذي کان يتصرف وکأن إيران أصبحت تفاحة نصفها لخامنئي و النصف الآخر له، لکن ظهر واضحا أن الاخير لم يرضى بهذه القسمة و بدأ يشيح بوجهه رويدا رويدا عن رفسنجاني بدعم و تإييد من صقور بدأوا يظهرون و يبرزون في النظام بعد أن لم يعد هناك ولي فقيه في مستوى شخصية الخميني.
لقد کان صعبا جدا على خامنئي أن يمسك بزمام الامور في إيران و التحديات الجسام ماثلة أمامه، وکان لابد له من البحث عن بديل للکاريزما التي يفتقدها کمرشد أعلى للنظام، ولذلك فقد کان من الطبيعي أن يمنح جل إهتمامه و ترکيزه على العامل الخارجي ليثبت من وراءه قدرته و إمکانيته للإيرانيين بشکل خاص و للشيعة في العالم و المسلمين عموما، بشکل عام، ومن هنا فقد بدأ يعمل على إستراتيجية إيجاد مناطق نفوذ و هيمنة للنظام خارج إيران بحيث تدفع نظامه للبروز أکثر من أي وقت آخر.
هل کان الخميني يقوم بنفس ماقام به خامنئي في الحربين الامريکيتين في أفغانستان و العراق؟ من يعرف الخميني و مواقفه و اسلوبه و نهجه في التعامل و التعاطي مع خصومه و أعدائه، يعلم بأنه کان سينأى بنظامه بعيدا عن الولايات المتحدة الامريکية ولم يکن يؤدي الدور”الابرهي”الذي أداه خامنئي لواشنطن في أفغانستان و العراق، لکن الذي دفع خامنئي لدخول اللعبة في أفغانستان و العراق، کان من باب إحساسه بالضعف و عدم القدرة في الاخذ بزمام الامور في إيران من دون ثمة مناورات و مغامرات خارجية تضفي على شخصيته هالة تغطي على جانب الضعف فيه، وقد کان الهدف الاکبر لخامنئي مرکزا على العراق من أجل جعله منطقة نفوذ و هيمنة خاصة به ولذلك فقد ألقى بثقل نظامه کله من أجل تحقيق هذا الهدف قبل و بعد 9 نيسان 2003، وقد تم له ذلك بعد أن شاءت الاقدار أن يکون رئيسا ضعيفا مترددا بمواصفات اوباما يحکم الولايات المتحدة الامريکية.
سيطرة خامنئي على العراق و إحکام قبضته عليه و زرعه بالجماعات و الخلايا المسلحة مهدت لحدثين بارزين على مستوى المنطقة و العالم الاسلامي کله وهما:
ـ حرب 2006 في لبنان بين حزب الله اللبناني و إسرائيل، والتي کانت مناورة کارثية الهدف منها إلفات النظر الى دور النظام الايراني إقليميا و دوليا.
ـ إحداث الشرخ في الصف الفلسطيني في العام 2008، بين حرکة حماس و حرکة فتح و التي لاتزال آثارها و تداعياتها باقية لحد الان، وبطبيعة الحال فإن النظام قد أرسل أيضا من خلال هذا الامر أکثر من رسالة لإسرائيل و العرب و الغرب من أنه قد صار شريکا في رسم مسارات القضية الفلسطينية التي تعتبر مفتاحا رئيسيا للکثير من الامور الاخرى.
مغامرات نظام ولاية الفقيه الکارثية في لبنان و غزة و التي أثقلت کاهل الشعب الايراني و جعلته يدفع أعباءهما، تجلت في وخامة الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية الايرانية و إزدياد تدهور الاحوال و الاوضاع المعيشية للشعب الايراني والانکى من ذلك أن هذا الشعب کان يعرف جيدا بأنه يدفع ضريبة مغامرات النظام في لبنان و غزة، ولذلك فإن تفجر الاوضاع في إيران عام 2009، قد أثبت و أکد
بوضوح هذا الامر، حيث إن الاحتجاج على مسرحية الانتخابات في ذلك الحين قد إنقلب لإنتفاضة ضد النظام نفسه، حيث تم فيها ترديد شعارات کانت بمثابة صفعات قاسية للنظام و لکل من يؤمن بهذا النظام و طروحاته المزيفة إذ کان من ضمن الشعارات الرئيسية التی هتف بها المنتفضون”لا غزة ولا لبنان روحي فداءا لإيران”، لکن الاهم و الاخطر من ذلك بکثير أن الجماهير الايرانية المنتفضة قد رددت شعارات أکثر حساسية من ذلك، عندما هتفت ب”الموت لخامنئي”و”يسقط نظام ولاية الفقيه”، حيث أنه ومنذ تأسيس نظام ولاية الفقيه، کان للمرشد الاعلى للنظام مرکزا و مکانة خاصة(ولاسيما أيام الخميني)، لکن ترديد هذه الشعارات و التي رافقتها أيضا مظاهر تمزيق صور خامنئي او إحراقها، أثرت کثيرا على هيبة و مکانة الولي الفقيه و أنزلته من علياء منصبه و جعلت منه مجرد مسؤول عادي کأي مسؤولي النظام، وهذا بحد ذاته حمل في طياته الکثير من المعاني العميقة التي لايزال يجهلها الکثيرون وخصوصا نفر من المداحين و المرائين الجدد الذين أطلوا لتمجيد هذا النظام و رمزه الذي فقد هيبته و بريقه، وأن أکبر دليل بإمکاننا ذکره هنا على فقدان هذه الهيبة و إنقشاعها، ان خامنئي وبعد التراجيکوميديا التي جرت في 2009، حاول أن يسترجع کبريائه و هيبته فقام بزيارات متکررة لمراجع التقليد في قم ومن بين 17 مرجعا لم يحصل سوى على تإييد مرجعين فقط، وبطبيعة الحال فإن نأي هؤلاء المراجع بأنفسهم عن خامنئي يشکل أکثر من دليل و معنى خاص لکل المنبهرين و المدافعين”الجهلة”عن هذا النظام و رمزه الاکبر المتداعي!
اليوم، وبعد أکثر من ثلاثة عقود على عمر هذا النظام، وبعد أن إجتاحت جماعة الحوثي صنعاء و وصلوا الى موانئ البحر الاحمر، من السذاجة التصور و الاعتقاد بأن هذا النظام قد عبر مرحلة الخطر و التحدي و صار بمأمن کامل، لأنه يواجه ثلاثة تحديات جسيمة تقف کلها کشفرات حادة في بلعوم النظام بأعلى مراکزه، وهذه التحديات الثلاثة هي:
ـ الملف النووي الذي يشکل هاجسا و عبئا کبيرا و ثقيلا على کاهل النظام خصوصا وان الاتفاق النهائي يعتبر بالنسبة للنظام کابوسا مرعبا له و يحاول جهد إمکانه البحث عن سبل للخلاص بجلده من ذلك لأن سقوط النظام نوويا يعني سقوط مشروعه بالکامل.
ـ الاوضاع الاقتصادية في إيران وصلت الى مرحلة الانفجار، وان مزاعم الاصلاح و الاعتدال و کل تلك الاماني و الامال التي ساقها روحاني للشعب الايراني بشأن تحسين أوضاعه الاقتصادية لم تسفر عن أي شئ بل وسارت نحو الاسوأ تماما کما کان الحال مع قضية حقوق الانسان و حملات الاعدام التي وصلت الى أردأ مستوى لها منذ أکثر من 10 أعوام.
ـ مناطق النفوذ و هيمنة نظام ولاية الفقيه في العراق و سوريا و لبنان، صارت مناطق زلزالية صارت تهدد النظام وليس تسنده او تدعمه.
في ضوء کل هذا، هناك معطيات داخلية و إقليمية متباينة تشير کلها الى ضروة عملية التغيير في إيران و کونها المخرج الوحيد و القاسم المشترك الاعظم لحل کافة معضلات و أزمات المنطقة، وان رحيل هذا النظام”الفتنة”هو الحل الوحيد و الامثل لکل مشاکل و أزمات المنطقة.








