الرأي الاردينية: حَدَثٌ ايراني مثقل بالدلالات والرسائل (الى الداخل الايراني), يصعب أن يمر بدون أكلاف واستحقاقات, حتى بعد أن وُضِعَ علي أكبر هاشمي رفسنجاني أمام خيارين لا ثالث لهما, عدم الترشح للدورة الثالثة والاخيرة لمجلس الخبراء (مدته ست سنوات وعدد اعضائه 86 عضواً ويتولى مراقبة عمل المرشد الروحي للثورة والتأكد من استيفائه المعايير التي يجب أن تتوفر للولي الفقيه), أو المغامرة بالخسارة المدوّية أمام شخصية تصعب هزيمتها «مهدوي كِني», الذي يمكن اعتباره بالفعل مرجعاً (بمعناها الاكاديمي والفقهي) ليس لمعظم اعضاء مجلس الخبراء, وانما لطيف واسع من اصحاب القرار في الجمهورية الاسلامية الايرانية..أن «يخسر» رفسنجاني الموقع المؤثر والأخطر في المشهد الايراني, بما هو «السلاح» الذي كان لجأ إليه هذا «الثعلب» (كما يصفه خصومه والاصدقاء) خلال الأزمة العميقة التي عصفت بإيران بعد انتخابات 12 حزيران 2009,
وبدا وكأنه يلوّح باحتمال عزل (نزع الشرعية) عن المرشد علي خامنئي, يعني… اسدال الستار على هذه الشخصية التي لعبت دوراً محورياً في ايران, قبل وبعد ثورة 11 شباط 1979 والذي بدا في يوم من الايام, المرشح الاقوى لخلافة آية الله الخميني, بما استطاع التوفر عليه من شعبية تجلت في دورتين رئاسيتين والجلوس في مقعد رئيس مجلس الشورى قبل ذلك, اضافة الى جَمْعِهِ (حتى يوم أمس) رئاسة مجلس الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام (هذا الموقع الذي سيتركه حتماً بعد أن اشار إثر خسارته المدوّية, أنه «لا يريد» تولي أي منصب ولا أي موقع في الدولة, وأنه «حان الوقت لكتابة مذكراتي».. فمن يصدق؟
ثمة شعور بالانكسار ومرارة تفوح رائحتها من المفردات والعبارات والرسائل, التي تحدث بها رفسنجاني بعد انتخاب آية الله مهدوي كنّي, وإن كانت اكثرها دراماتيكية, هي تلك «الغمزات» اللاذعة التي وجهها للمحيطين بالمرشد (يقصد نجاد) والذين يتسترون خلف عباءته لاتخاذ قرارات أو تحقيق مكاسب لا تصب في مصلحة ايران بل هو لم يوفر المرشد نفسه عندما قال: ان القائد ملك للجميع, وأنه الوحيد القادر على توحيد الصفوف وبمقدورنا أن نساعده لكنه هو الذي يجب عليه أن يبدأ أولاً (…), وإن كان في مجمل تصريحه حرص, على استدراك الأمور وعدم الذهاب الى نقطة اللاعودة عبر القول أنه «ملتزم الثورة ما دام فيه عرق ينبض»..
أين من هنا؟
نقطة ثمينة سجّلها معسكر المحافظين لنفسه بعد إطاحة رفسنجاني, الذي كان اصلاً منسجماً مع نفسه عندما اتخذ موقفاً «زئبقياً», مكرّساً النهج الذي سار عليه على الدوام بامساك العصا من منتصفها, تجلّى ذلك خصوصاً في الاحداث المرعبة التي أعقبت انتخابات 12 حزيران 2009, واسفرت عن «تمرد» مير حسين موسوي منافس نجاد وسانده فيها مهدي خروبي ودعمهما محمد خاتمي, وأبدى رفسنجاني بعض التجاوب (على طريقته) ثم ما لبث أن تراجع أو اختار الصمت «المريب» ولم يكن محمد خاتمي أحسن حالاً, بل تركهما (موسوي وخروبي) الى مصيرهما حيث هما الان في اقامة جبرية, بعد أن راجت شائعات بأنهما في السجن, ثم تبيّن لاحقاً أن كلاً منهما نزيل بيته في اجراء احترازي, من قِبل حكومة نجاد لتفادي انتقال عدوى الثورات العربية المتدحرجة الى الشارع الايراني, على ما يقول انصار المعسكر الاصلاحي, الذي بات محاصراً ومعزولاً وربما ضعيفاً بعد الضربة القوية التي لحقت برفسنجاني..
الاحتمالات كما القراءات في دراما اطاحة رفسنجاني مفتوحة وغير محسوبة, حيث (مثلاً) لا يمكن تصديق رفسنجاني, بأنه اختار عدم المنافسة على رئاسة مجلس الخبراء لأنه يريد «كتابة مذكراته», ومجرد خروجه من المشهد الايراني, كلاعب خطير ومتمكّن, كان مقبولاً أو مبرراً عند خسارته الأبرز والأعلى ضجيجاً ودوّياً, أمام المهندس المغمور القادم من رئاسة بلدية طهران والذي اسمه محمود احمدي نجاد في العام 2005, أما الآن فهي شهادة وفاة وموت سياسي معلن, قد تعني طيّ صفحة أحد أبرز الوجوه السياسية الايرانية حضوراً وجدلاً, بعد آية الله الخميني والذي فاقت براغمتيته (اقرأ انتهازيته) الحدود, وكان رقماً صعباً يحسب حسابه, الى أن أطيح به يوم أول من أمس, بكل ما تحمله هذه الضربة الموجعة من رسائل للمعارض.
محمد خرّوب








